كيف تخلت هذه الأمة عن رسالتها وعن تميزها الذي ميزها الله به؟
هل أخرج الله هذه الأمة لتكون في ذيل القافلة تلهث وراء الركب؟
وهل أخرجها لتبهم شخصيتها، تصبح مقلدة بل مشوهة من الجاهلية.
ألم يخرجها لتكون قائدة ورائدة وشاهدة على كل البشرية؟
كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .
وكما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .
وهل تستطيع أن تحقق شيئًا من ذلك حين تتخلى عن شريعة الله وتنتهج شرائع الجاهلية.
إنما أخرج الله هذه الأمة لأمر أعظم من هذا بكثير أخرجها لتكون هي النموذج الذي تحتذيه البشرية لتهتدي إلى ربها، وتطبق منهجه في الأرض فتنال خير الدنيا وخير الآخرة، وتنال رضوان الله.
وذات يوم حققت الأمة ذلك النموذج الفذ في عالم الواقع ولن تعود إلى التمكين والقوة حتى تعود إلى السبب الذي مكنها من قبل. {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ... } . ولن يعبدوه حق عبادته عبادة خالية من الشرك حتى يلتزموا بتطبيق شريعة الله. {فلا وربك لا يؤمنون ... } [1] فالتزام شرع الله، وترك شرع ما سواه، هو من مقتضى لا إله إلا الله.
وكذا كل صغير من أمر المرء وكبير لا بد أن يكون على وفق أمر الله ونهيه سبحانه لا على هوى الإنسان ووفق مراده، ولكن الإنسان يأتي عليه ساعة يتكبر فيها ويتجبر ويظن بنفسه القوة والقدرة على أن يكون مستغنيًا عن السير على أوامر الله فيمضي بعيدًا عنها ليختار لنفسه من المناهج ما شاء وليسن له ولمن ارتضى ما يصنع والذين يتبعونهم على نهجهم قوانين غير قوانين الله ظنًّا منه أنه إنما يفعل ما هو من جملة مستحقاته، ونسي أنه إنما هو عبد مسكين فقير للنفس الذي يخرج منه أن يعيده إليه رب العلمين سبحانه وما أجمل ما عبر عن ذلك شاعر الإسلام الحكيم محمد إقبال --رحمه الله تعالى- إذ يقول:
(1) تطبيق الشريعة (ص 27) .