وفي هذا اللقاء -أيها الإخوة- نواصل الحديث عن أهم ما بقي معنا في هذا الموضوع نسأل الله أن يجنبنا الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن.
فمن هذه الأقوال والأفعال التي ينبغي أن تحذر -أيها الإخوة- ما نبه عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله كما في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يقل أحدكم: أطعم ربك وضئ ربك وليقل: سيدي ومولاي ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". [1]
ينبهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث إلى تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ وذلك بأن يعظم العبد ربه في ربوبيته، ويحترز من الألفاظ التي فيها إساءة أدب مع جناب الربوبية، وأن يعترف العبد لربه سبحانه بأنه -عز وجل- المالك لكل الرقاب وأن يتأدب العبد ويتهذب في تعامله وحديثه مع رب الأرباب.
والحديث -أيها الإخوة- تعليم للسيد الذي يملك العبيد والإماء ألا يقول: عبدي وأمتي ولكن يقول: فتاي وفتاتي، وأن لا يقول من تحت يده من العبيد والإماء عن سيدهم: ربي ولكن يقول: سيدي ومولاي، وهذا من حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على التوحيد وتحقيقه وحض الناس على تعظيم الله تعالى ولا سبيل إلى بلوغ ذلك الأدب مع الله إلا بكمال وشديد التحفظ عن الألفاظ التي فيها إيهام ومحذور ولو كان ذلك على وجه بعيد، فإن الأدب -أيها الإخوة- في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص للعلي العظيم وحماية لتوحيد الرب جل جلاله.
ولئن كان التوجيه في الحديث النبوي للأسياد والعبيد في عصر ولي ومضى ولم يعد له الآن وجود فيبقى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا علامة فارقة على ما تميز به الإسلام من محاسن التنزيه للربوبية وتعظيمها وإجلالها.
وكذلك يبقى لنا من الناحية العملية أن لا نجعل عبودية لفظًا ولا معنى إلا لله الذي يستحقها فلا تضاف العبودية لفظًا ومعنى إلا إلى مدبر الأمور -سبحانه وتعالى- الذي خلق ورزق وأبرم وأتقن، لأنه سبحانه الغني عمن سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وهو أهل الثناء والمجد وكلنا له عبد فالعبيد كلهم عبيد الله، والإماء كلهن إماء الله فحري بأهل التوحيد التزام جادة الأدب مع الغني العلي الحميد.
أقول -أيها الإخوة-: ولئن كان عصر الرق والعبودية قد انتهى من الواقع إلا أنه لا يزال على النفوس جاثم وفيها ساكن فرغم أن الله من على الناس بالحرية إلا أن بعضهم يرقون أنفسهم ويذلونها ويخضعونها لبشر مثلهم وعبيد أشكالهم تعبر عن ذلك كثير من أفعالهم وأحوالهم بل وأقوالهم ولذا كان من هذا الباب مما ينبغي أن يحذر أن يقول القائل أنا عبد المأمور وهذا خطأ والصحيح أن الإنسان كل إنسان عبد الآمر المدبر الملك جل جلاله ولا عبودية أبدًا
(1) أخرجه البخاري (2552) ومسلم (2249) .