بالدّين. وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة وهي {الّذين اتّخذوا دينَكم هزؤًا} الخ لما في الصلة من الإيمان إلى تعليل موجب النّهي.
والدّين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة، فهو عنوان عقل المتديّن وروائدُ آماله وباعث أعماله، فالذي يتخذ دين امرئ هزُؤًا فقد اتّخذ ذلك المتديِّن هزؤًا ورمَقه بعين الاحتقار، إذ عَدّ أعظَمَ شيء عنده سخرية، فما دون ذلك أوْلى. والّذي يَرمُق بهذا الاعتبار ليس جديرًا بالموالاة، لأنّ شرط الموالاة التماثل في التّفكير، ولأنّ الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودّة تستدعي تعظيم الودود. [1]
أيها الإخوة إن للاستهزاء والسخرية من دين الله وترك المتطاولين عليه هكذا يجترئون عليه آثاره الوخيمة على الأمة في العقائد والعبادات والأخلاق.
وأخبرونى بالله عليكم ألم يزل الله دولة كسرى ملك الفرس بسبب استهزائه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال شيخ الإسلام في بيان ذلك: وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر وكلاهما لم يسلم لكن قيصر أكرم كتاب النبي صلى الله عليه و سلم وأكرم رسوله فثبت ملكه فيقال: إن الملك باق في ذريته إلى اليوم وكسرى مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله الله بعد قليل ومزق ملكه كل ممزق ولم يبق للأكاسرة ملك وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] فكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره و يمحق عينه وأثره وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف وقد رأينا صنيع الله بهم ومن الكلام السائر [لحوم العلماء مسمومة] فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام؟ [2]
وينقل شيخ الإسلام في نفس المصدر كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول عن أهل العلم والخبرة ممن كانوا في الحروب والثغور في قتال أعداء الله يقول:"حدثنا أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس إذ تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه و سلم والوقيعة في عرضه فعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة ويكون فيهم ملحمة عظيمة قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه - صلى الله عليه وسلم - مع امتلاء القلوب غيظًا بما قالوه فيه، وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل الغرب حالهم (هكذا) مع النصارى" [3] فهل بعد هذا تنتقل هذه العادة الكافرة إلى كثير من المسلمين يسبون دين الله ودين النبي وهم الذين
(1) التحرير والتنوير - (4/ 229) .
(2) الصارم المسلول - (ص / 171) بتصرف.
(3) نفسه (ص / 123) بتصرف.