{إِنَّكُمْ إِذًا} أي: إن قعدتم معهم في الحال المذكورة {مِثْلُهُمْ} لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها، والحاصل أن من حضر مجلسا يعصى الله به، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة، أو القيام مع عدمها.
{إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} كما اجتمعوا على الكفر والموالاة ولا ينفع الكافرين (1) مجرد كونهم في الظاهر مع المؤمنين كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} إلى آخر الآيات. [1] .
-أيها الإخوة- إن غشيان هذه المجالس والسكوت على ما يجري فيها هو أولى مراحل الهزيمة وليس كما يزعم بعض من لا يعلم شيئًا عن الله ورسوله أن مجالسة هؤلاء المستهزئين هي من باب التسامح أو من باب سعة الصدر، لا بل هى علامة غفلة وهي أولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسًا يسمع فيه آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فيسكت ويتغاضى .. يسمي ذلك تسامحًا، أو يسميه دهاء، أو يسميه سعة صدر وأفق وإيمانًا بحرية الرأي!!! وهي هي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله؛ وهو يموه على نفسه في أول الطريق، حياء منه أن تأخذه نفسه متلبسًا بالضعف والهوان!
إن الحمية لله، ولدين الله، ولآيات الله. هي آية الإيمان. وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد؛ وينزاح بعدها كل حاجز، وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار. وإن الحمية لتكبت في أول الأمر عمدًا. ثم تهمد. ثم تخمد. ثم تموت!
فمن سمع الاستهزاء بدينه في مجلس، فإما أن يدفع، وإما أن يقاطع المجلس وأهله. فأما التغاضي والسكوت فهو أول مراحل الهزيمة. وهو المعبر بين الإيمان والكفر على قنطرة النفاق! [2]
إن موقف المسلم -أيها الإخوة- من هؤلاء المجالسين يجب أن يكون موقف المقاطعة والقطيعة في آن واحد فهو لا يجالسهم ولا يستمع إليهم ويقاطعهم فلا يصادقهم بل يعاديهم كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ... الآية. يقول الإمام ابن جرير -رحمه الله تعالى- في هذه الآية يقول سبحانه: لا تتخذوهم، أيها المؤمنون، أنصارًا أو إخوانًا أو حُلفاء، فإنهم لا يألونكم خَبَالا وإن أظهروا لكم مودّة وصداقة [3]
ويقول صاحب التحرير والتنوير -رحمه الله-: هذا تحذير من موالاة أهل الكتاب ليظهر تميّز المسلمين. وهذه الآية تحذير من موالاة اليهود والمشركين الّذين بالمدينة، ولا مدخل للنصارى فيها، إذ لم يكن في المدينة نصارى فيهزأوا
(1) تفسير السعدي (ص 192، وما بعدها) .
(2) الظلال (2/ 780، وما بعدها) .
(3) تفسير الطبري - (10/ 429) .