ورسله واليوم الآخر الإيمان بالقدر فما معنى الإيمان بالقدر؟ وما أهميته؟ وما مراتبه؟ وما فوائده؟ وكيف يوقن العبد بالقدر؟ وما هي منافيات الإيمان بالقدر؟
أيها الإخوة .. معنى الإيمان بالقدر أن يعلم العبد أن الله تعالى"علم مقادير الأشياء وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلا هو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته". [1] هذا هو معنى الإيمان بالقدر -أيها الإخوة- فلابد وأن يوقن العبد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما لم يكن قد شاء الله أن لا يكون ولله در الشافعي إذ يقول:
فما شِئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكنْ
خلقتَ العباد على ما علمتَ ففي العلم يجري الفتى والمُسِنْ
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ وهذا أعنتَ وهذا لَمْ تُعِنْ
فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حَسنْ
فعلى كل موحد أن يؤمن بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميعَ أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، (( فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) )، فما أصاب الإنسانَ لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف، كما قال -سبحانه وتعالى-: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاء وَالأرْضِ إِنَّ ذالِكَ فِى كِتَابٍ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70] وقال: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22] .
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملةً وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ونحو ذلك. فعند ربنا سبحانه العلم بذلك كله من قبل أن يخلق الخلق ويوجده.
(1) تيسير العزيز الحميد (ص 595) .