وعلى الموحد أن يؤمن بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلاّ بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلاّ ما يريد، وأنه -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات.
ومن طريف ما قرأت ما ذكره العلامة الحميدي في كتابه جذوة المقتبس عن الأستاذ المعروف بابن البشتنى من آل الوزير أبي الحسن جعفر بن عثمان المصحفى، عن الوزير أبيه -رحمه الله-: أنه كان بين يدي المنصور أبي عامر، محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه للعامة، فرفعت إليه رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان ابن أبي عامر حنقًا عليه لجرم استعظمه منه، فلما قرأها اشتد غضبه، وقال: ذكرتنى والله به! وأخذ القلم يوقع، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، ورمي الكتاب إلى الوزير، قال: فأخذ أبوك القلم، وتناول رقعة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرط، فقال له ابن أبي عامر ما هذا الذي تكتب؟ قال: بإطلاق فلان، قال: فحرد وقال: من أمر بهذا؟ فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت، والله ليصلبن، ثم خط على ما كتب، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، قال: فأخذ والدك الرقعة، فلما رأى التوقيع تمادى على ما بدأ به من الأمر بإطلاقه، ونظر إليه المنصور متماديًا على الكتاب، فقال: ما تكتب؟ قال: بإطلاق الرجل، فغضب غضبًا أشد من الأول، وقال: من أمر بهذا؟ فناوله الرقعة، فرأى خطه، فخط على ما كتب، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، فأخذ والدك الكتاب، فنظر ما وقع به، ثم تمادى فيما كان بدأ به، فقال له: ماذا تكتب؟ فقال: بإطلاق الرجل، وهذا الخط ثالثًا بذلك، فلما رآه عجب، وقال: نعم يطلق على رغمى، فمن أراد الله إطلاقه، لا أقدر أنا على منعه، [1]
أيها الإخوة! نظرت امرأة يومًا إلى زوجها الذي غاب مدة عنها فإذا هو مبيض العارضين شاب شعره فتعجبت وقالت متسائلة: ما الذي حدث لك بعدي شيب شعرك وحوله من أسود إلى أبيض؟ فأجاب على البديهة قائلًا:
نظرت مبيض فودَيّ فبكت ثم قالت: ما الذي بعدي عراه
قُلتُ: هَذي صِبغة ُ الله، وَمَن يصبغ الأسود مبيضا سواه [2]
فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلاّ والله سبحانه خالقه، فلا خالق غيره ولا رب سواه. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة؛ والله خالقهم، وخالق قدرتهم
(1) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس - (ص / 46) .
(2) (الفود) جانب الرأس مما يلي الأذن والشعر النابت فوقه وهما فودان ويقال حل الشيب بفوديه ولفلان فودان إذا كان له ضفيرتان والجمع أفواد، عراه الداء والأمر عروا ألم به وأصابه.