فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 675

قال النووي في بيان سبب كون هذه الكلمة كنزا من كنوز الجنة:"قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا رادّ لأمره، وإن العبد لا يملك شيئًا من الأمر". [1]

تلك أربعة كاملة -أيها الإخوة- العلم والكتابة والمشيئة والخلق فمن آمن بهذه المراتب فقد آمن بالقدر، ومن كذب بشيء منها فقد كذب بالقدر. وصدق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول كما في حديث ابن عباس الذي قال فيه:"كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ «يَا غُلاَمُ إِنِّى أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» . [2] "

وهذا الإيمان -أيها الإخوة- - كما قدمنا- واجب فلا يتم توحيد العبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره فإنكار القدر كفر بالله تعالى وينافي أصل توحيد الله -عز وجل- كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده.

فقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أن الإيمان بالقدر أحد أركانه وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ الله لم يكن فمن لم يؤمن بهذا فإنه ما آمن بالله حقيقة.

قال الله تعالى:"إنا كل شيء خلقناه بقدر". وقال تعالى:"وخلق كل شيء فقدره تقديرًا".

وقال - صلى الله عليه وسلم: كما في البخاري قال قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن مسعود: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» [3]

ثم إن الأمة بأسرها من مئات بل آلاف الملايين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من علماء وحكماء وصالحين وغيرهم مؤمنين بقضاء الله تعالى وقدره وحكمته ومشيئته وبأن كل سبق به علمه وجرى به قدره وقلمه يكون كما قدر وأنه لا يكون في

(1) الإيمان بالقضاء والقدر.

(2) أخرجه أحمد (2669) والترمذي (2326) ، وصححه الألباني في المشكاة (5302) ، ظلال الجنة (316 - 318) .

(3) أخرجه البخاري (3208) ، ومسلم 6893.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت