أما مرتبة المشيئة فهى كما قال الله تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:28، 29] .
قال الإمام القرطبي:"فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرًا إلا بتوفيق الله، ولا شرًا إلا بخذلانه، وقال الحسن: والله، ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها، وقال وهب بن منبه: قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ} [الأنعام:111] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس: 100] "
قال الحافظ ابن كثير:"أي: ليست المشيئة موكولةً إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين، قال سفيان الثوري عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ".
وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له ) ). [1]
قال الحافظ ابن حجر:"قوله: (( لا مستكره له ) )أي: لأن التعليق يوهم إمكان إعطائه على غير المشيئة، وليس بعد المشيئة إلا الإكراه، والله لا مكره له".
هذا وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد"باب: في المشيئة والإرادة"، قال ابن بطال:"معنى هذا الباب: إثبات المشيئة والإرادة لله تعالى".
وأما مرتبة الخلق فهى كما قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:95 - 96] .
وعن حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عبد الله بن قيس، ألا أدلّك على كنز من كنوز الجنة؟ ) )فقلت: بلى يا رسول الله، قال: (( قل: لا حول ولا وقوة إلا بالله ) ). [2]
(1) أخرجه البخاري (7464) ، ومسلم (6987) .
(2) أخرجه البخاري (6610) ومسلم (2704) .