ومن ثمرات الإيمان بالقدر أنه يغرس في نفس المؤمن حقائق الإيمان المتعددة، فهو دائم الاستعانة بالله، يعتمد على الله ويتوكل عليه مع فعل الأسباب، وهو أيضًا دائم الافتقار إلى ربه - تعالى - يستمد منه العون على الثبات، ويطلب منه المزيد، وهو أيضًا كريم يحب الإحسان إلى الآخرين، فتجده يعطف عليهم.
والإيمان بالقدر يغرس في نفس المؤمن أيضًا الانكسار والاعتراف لله - تعالى - حين يقع منه الذنب، ومن ثم يطلب من الله العفو والمغفرة، ولا يحتج بالقدر على ذنوبه، وإن كانت مقدرة عليه؛ لأنه يعلم أن الاحتجاج باطل ومنهي عنه ومخالف لمقتضى الشرع. [1]
فلسان حال المؤمن بالقدر:
الهدى في دربي وفي هدفي ... وأظل أمضي غير مضطرب
ما كنت من نفسي على خور ... وما كنت من ربي على ريب
ما في المنايا ما أحاذره ... الله ملء القصد والأرب
ومن ثمرات الإيمان بالقدر: الإخلاص فالإيمان بالقدر يحمل صاحبه على الإخلاص، فيكون الباعث له في جميع أعماله امتثال أمر الله؛ ذلك أن المؤمن بالقدر يعلم أن الأمر أمر الله، وأن الملك ملكه، وأن ما شاءه الله كان، وما لم يشأه لم يكن، لا راد لفضله، ولا معقب لحكمه، فيقوده ذلك إلى إخلاص العمل لله، وتصفيته من كل شائبة تشوبه؛ لأن الحامل على عدم الإخلاص أو قِلَّته مراءاةُ الناس، أو طلب التزيُّن في قلوبهم، أو طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم أو محبتهم، أو نحو ذلك من الشوائب والعلل التي يجمعها إرادة ما سوى الله في العمل. [2]
فإذا أيقن العبد أن هذه الأمور لا تُنال إلا بتقدير الله - -عز وجل- - وأن الناس ليس لهم من الأمر شيء في أنفسهم ولا في غيرهم - لم يعد يبالي بالناس، ولم يَسْعَ إلى إرضائهم بسخط الله، فينقاد إلى إيثار الحق على الخلق، وإلى الإخلاص والتفريد، بعيدًا عن كل رياء وتنديد.
(1) انظر: مجموعة بحوث فقهية: بحث: الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في سلوك الإنسان للدكتور عبد الكريم زيدان ص 240 - 244.
(2) انظر مدارج السالكين لابن القيم 2/ 93.