فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 675

ومن هنا ينال فضيلة الإخلاص وأكرم بها من فضيلة؛ فالإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقيَ للفلاح، وهو الذي يحمل الإنسان على مواصلة عمل الخير، وهو الذي يجعل في عزم الرجل متانة، ويربط على قلبه، فيمضي حتى يبلغ الغاية.

ومن ثمرات الإيمان بالقدر سكون القلب وطمأنينة النفس، وراحة البال: فهذه الأمور من ثمرات الإيمان بالقدر، وهي داخلة في كثير مما مضى ذكره من الثمرات، وهي مطلب مُلِحٌّ، وهدف منشود، وغاية مُبْتَغاةٌ؛ فكل من في الأرض يبتغيها، ويبحث عنها، ويسعى لها سعيها، ولكن كما قيل:

كل من في الوجود يطلب صيدًا غير أن الشباك مختلفاتِ

فلا يدرك هذه الأمور، ولا يجد حلاوتها، ولا يعلم ثمراتها - إلا من آمن بالله وقضائه وقدره؛ فالمؤمن بالقدر ساكن القلب، مطمئن النفس، مرتاح البال، لايفكر كثيرًا في احتمال الشر، ثم إن وقع لم يَطِرْ له قلبه شعاعًا، بل يتحمل ذلك بثبات وصبر؛ إن مرض لم يضاعف مرضه بوهمه، وإن نزل به مكروه قابله بجأش رابط فخفف حدته؛ فمن الحكمة ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر. بل يسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت قابلها بشجاعة واعتدال.

وإنك لتجد عند خواصِّ المسلمين من العلماء العاملين، والعباد القانتين المتبعين من سكون القلب وطمأنينة النفس مالا يخطر ببال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال؛ فلهم في ذلك الشأن القِدْحُ المعلى، والنصيب الأوفى.

فهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رحمه الله ورضي الله عنه- يقول:"أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [1]

وهذا شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - يقول:"إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة". [2] ، ويقول مقولته المشهورة عندما زُجَّ به في غياهب السجن:"ما يصنع أعدائي بي؛ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رُحْت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" [3]

وللحديث صلة بعد جلسة الاستراحة وأستغفر الله لي ولكم.

(1) جامع العلوم والحكم لابن رجب: 1/ 287.

(2) الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم: ص 69.

(3) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب: 2/ 402.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت