الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد، فالزم أيها الموحد حصن الإيمان بالقضاء والقدر؛ فالله - جل وعلا - لطيف بعباده يريد بهم اليسر، وإنه حكيم خبير يدِّخر لأهل التوحيد في الآخرة أجرهم وافيا بغير حساب. ومن امتلأ قلبه بهذه الحقيقة ينقلب حزن المصيبة وكمدها إلى سرور وسعادة.
ورحم الله القائل:
كنز القناعة لا يخشى عليه ولا يحتاج فيه إلى الحراس والدول [1] .
لكن كثيرًا من المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله قد أضاعوا هذه العقيدة الثمينة الغالية ومواقفهم ليل نهار تناقض هذه العقيدة الواجبة والفريضة الحتمية اللازمة.
فمن المسلمين من يبيع دينه لأجل رزقه ومادته ووظيفته ودوامه ظنًا منه أن هذا كله بيد عبد أو مخلوق ولا يدري المسكين أنه والمادة والمخلوق جميعًا بيد الله تعالى.
ومن المسلمين من يسخط على الله لأجل أن الله قدر عليه مصيبة من المصائب في الأنفس أو الأموال أو الثمرات فلا ترى إلا كلمات السخط والكراهية.
ومن المسلمين من يقع به الشيء من الأشياء مما يحمده أو لا يحمده فإذا هو فيما يحمد يود لو كان زيادة وما لا يحمد يتسخطه وفي كلّ:"يقول: لو أنى فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا مع أن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قد نهانا عن استعمال هذه الكلمة."
لكنك ترى المريض إذا عولج عند طبيب ثم مات يقول أهله لو ذهبنا به إلى طبيب آخر أو سافرنا لعلاجه بالخارج ما مات، مع أن الواجب عليهم أن يقولوا: إنا لله وإنا إليه راجعون ولا يعترضوا بهذه الكلمة.
(1) عنصر ثمرات الإيمان بالقدر مأخوذ عن"الإيمان بالقضاء والقدر"محمد بن إبراهيم الحمد نقلًا من عون العلي الحميد (شرح باب ما جاء في منكري القدر) ، ثم إني تصرفت فيها ملخصًا ومنقصًا ومقدمًا ومؤخرًا ومزيدًا ومفردًا.