فهرس الكتاب

الصفحة 663 من 675

أعلم أن استغفار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كان لأنه رأى عمله بالنسبة لقدر الله ومقامه أقل مما ينبغي وإن كان هو اجتهد في تحسينه وتجويده قدر ما وسعه وأمكنه.

قال العلامة الألوسي في تفسير سورة النصر:"واستغفاره - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان دائمًا في الترقي فإذا ترقى إلى مرتبة استغفر لما قبلها وقيل مما هو في نظره الشريف خلاف الأولى بمنصبه المنيف وأنت تعلم أن كل أحد مقصر عن القيام بحقوق الله تعالى كما ينبغى وادائها على الوجه اللائق بجلاله جل جلاله وعظمته سبحانه وإنما يؤديها على قدر ما يعرف والعارف يعرف أن قدر الله -عز وجل- أعلى وأجل من ذلك فهو يستحى من عمله ويرى أنه مقصر وكلما كان الشخص بالله تعالى أعرف كان له سبحانه أخوف وبرؤية تقصيره أبصر، وقد كان كهمس يصلي كل يوم ألف ركعة فإذا صلى أخذ بلحيته ثم يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء فوالله ما رضيتك لله -عز وجل- طرفة عين، وعن مالك بن دينار: لقد هممت أن أوصي إذا مت أن ينطلق بي كما ينطلق بالعبد الآبق إلى سيده، فإذا سألني قلت: يا رب إني لم أرض لك نفسي طرفة عين، فيمكن أن يكون استغفاره عليه الصلاة والسلام لما يعرف من عظيم جلال الله تعالى وعظمته سبحانه فيرى أن عبادته وإن كانت أجل من عبادة جميع العابدين هى دون ما يليق بذلك الجلال وتلك العظمة التي هي وراء ما يخطر بالبال فيستحي ويهرع إلى الاستغفار، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام كان يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، وللإشارة إلى قصور العابد عن الإتيان بما يليق بجلال المعبود وإن بذل المجهود شرع الاستغفار بعد كثير من الطاعات فذكروا إنه يشرع لمصلي المكتوبة أن يستغفر عقبها ثلاثًا وللمتهجد في الأسحار أن يستغفر ما شاء الله تعالى، وللحاج أن يستغفر بعد الحج فقد قال تعالى {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [البقرة: 199] وروي أنه يشرع لختم الوضوء، وقالوا يشرع لختم كل مجلس وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: إذا قام من المجلس"سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك" [1] ففي الأمر بالاستغفار رمز من هذا الوجه على ما قيل إلى ما فهم من النعي". [2]

أيها الإخوة! إن من قدر الله حق قدره عبده وبذل مجهوده في عبادته ثم رأى أنه ما صنع شيئًا، ومن قدر الله حق قدره جعل ظنه في الله أحسن الظنون فعرف أن الله ناصر دينه وسنة رسوله وسنة الداعين إلى شرعه والقائمين بأمره، ومن قدر الله حق قدره عرف أن تقديره له أحسن التقدير وأوفقه وأتمه ولم يسخط على ما قدر له بل يصبر ويرضى ويسم ويعلم أنه لو وكل إلى نفسه لكان اختياره ما ظنه الحسن بالنسبة إلى ما اختار له ربه أسوء اختيار.

ومن قدر الله حق قدره وعرف أسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده عرف أنه بكل جميل كفيل ومن أساء بربه الظنون بعد هذا الذى قدمنا كان فيه من الجاهلية وصفاتها ومشابهة أهلها على قدره ظنونه تلك، كما قال تعالى عنهم

(1) أخرجه أحمد 19825، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص 173 وانظر صحيح الترغيب والترهيب 1519.

(2) تفسير الألوسي - (23/ 167) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت