فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 675

فعجيب حال هؤلاء الذين يغالون في الصالحين من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء في حين أن هؤلاء جميعًا يتقربون إلى الله ويدعونه ويعبدونه كما في هذه الآية، قال جمهور المفسرين: إن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يعبدون المسيح عليه السلام وأمه وعزيرًا، فبين الله سبحانه أن هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي يعبدونني وهم فقراء إليّ يدعونني ويتقربون إليّ بالطاعة، فهم عباد من عبادي والعبد لا يصلح أن يكون معبودًا، وليس هناك في السموات والأرض إلا من هو عبد لله، ومن المفسرين من قال: نزلت في أناس من العرب يدعون الجن فأسلم الجن هؤلاء وبقى الذين يعبدونهم على شركهم بل ما فتئ مسلمة الجن في التعبد لله -عز وجل- رغبًا ورهبًا وتحري كل طاعة وقربة تقربهم من ربهم كما روى البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- في هذه الآية قال:"ناس من الجن كانوا يُعْبدون فأسلموا" [1] ، فيا لله يظل الإنسان يعبد ويدعو ويتقرب ويتذلل ويخضع ويخشع في كل صور الطاعة والعبادة يجد ويجتهد ويعمل لولي من الأولياء أو نبي من الأنبياء أو صالح من الصالحين يظن أن هذا يقربه من رب العالمين ثم يأتي يوم القيامة فيفاجأ بأنه لم يعمل حسنة واحدة بل كل حسنة ظنها في ميزانه قد قلبت عليه سيئات ثم يقلب على وجهه في نار جهنم، هذا هو الحال والمآل ولا يظلم ربك أحدًا فإنه سبحانه قد عرّف الناس أنه لا يقبل شريكًا ولا وسيطًا.

فقل للذي يسعى ويطوف حول قبور الصالحين والأولياء عملك في غير محله، وقل للذي يتمسح بمقامات الأولياء والصالحين خف الله وأقلع فإن ذلك يحبط عملك، وقل للذي يذبح عند مشاهدهم وفي موالدهم لن تقبل من ذلك كله حسنة واحدة.

فلا يكون الذبح إلا لله ولا يكون أيضًا في مكان يذبح فيه لغير الله، كما أن الطواف لا يكون إلا ببيت الله، ولا يكون التقبيل والتمسح بعالي الجباه على الأرض إلاسجودًا لله جل في علاه.

فهؤلاء الأولياء أنفسهم يدعون الله ويتقربون إليه ويتعبدون إليه -عز وجل- دون واسطة أو شفاعة وهم في ذلك كله يتوسلون إليه سبحانه بطاعته وهذه أنفع وسيلة، والتوسل إلى الله -تعالى- -وأرجو أن تنتبهواـ أيها الإخوة لهذا التأصيل المهم - التوسل إلى الله يكون توسل عبادة وتقرب وطاعة إذا كان بواحد من ثلاثة أنواع:

النوع الأول: التوسل بالله -عز وجل- بذاته المقدسة، أو بأسمائه الحسنى، أو بصفاته العلى، أو أفعاله كما قال جل في علاه:"وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) " [الأعراف: 180] .

ولذلكم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يطبق ذلك تطبيقًا عمليًّا ويحفز عليه كما في الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده وصححه العلامة الألباني من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

(1) أخرجه البخاري (4714، 4715) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت