الوسيلة الكبرى لانتشال أبناء العالم الإسلامي من الضعف والتخلف، ونحن لو تتبعنا معالم الفكر في اللغة أولًا لوجدنا لفظة العمل توحي بمكانته:-
العمل في اللغة:
فالعمل هو المهنة والفعل، وعَمِلَ الرجل أي قام بالعمل عند غيره، واعتمل الرجل: أي قام بالعمل لنفسه، وقديمًا مدحوا الرجل العامل المنجز الذي يخدم نفسه، ويبني حياته، يقول الشاعر:
إن الكريم وأبيك يعتمل ... فيكتسي من بعدها ويكتحل
فالاكتحال من الكماليات، أي فالعمل والاعتمال يؤديان إلى الترف والثراء، أما الاستعمال فهي الخدمة الوظيفية المعاصرة، وقالوا عنها قديمًا: الاستعمال خدمة السلطان والاعتمال هو يشمل أوجه العمل للفرد في العمران والصناعة والزراعة، ومنه رجل عمول إذا كان كسوبا، وهو ما يسمى برجل الأعمال، والعمل يكون بالذهن أيضًا، لكنه يَرِدُ على وزن أفعل مرتبطًا بالوصف المراد. أعمل فلان ذهنه في كذا وكذا إذا دبره بفهمه، وأعمل رأيه وآلته ولسانه.
والاعتمال والعمل والعمل الذهني كلها خاصية حياتية لكل ذي حياة، فالإنسان مطبوع على العمل. فالله المدبر لهذا الكون جعل خاصية العمل ملازمة لخاصية الحياة، فليس هناك من كائن حي يُخدم ويُسعى إليه؛ فلابد من عمله حتى ملكة النحل فإن لها أعمالا خاصة بها، حتى في عملية التلقيح، والكل لابدّ له من السعي للغذاء، حتى ممارسته بالأكل عمل، والعمل خاصية داخلة في تركيب الكائن الحي، بل في أصغر مكوناته وكائناته، إنها الخلية التي تحوي عناصر الحياة، والطفل يولد عاملا؛ فالصراخ عملية للتنفس، والحركة للمران حتى البكاء، وهو يلهم عملية الرضاعة حتى يتمرس العمل الضروري له، والتربية تقع في خطأ حين تدخل الاتكالية عند الأطفال، فلو كانت التربية تقوم على شحذ العمل من الطفولة لكان في ذلك خير كثير ودربةٌ نافعة وممارسة تجريبية، وخير من ذلك ارتباطها بالعمل الذهني أولًا، ثم تتأتى القناعة والممارسة متزامنيين معًا.
دور الأسرة في التربية العملية:
كانت الضرورة تحتم على الأسرة تنشئة الأطفال على العمل وتربيتهم تربية عملية، وذلك لانشغال الأسرة بالأعمال اليومية المتواصلة، فتضطر إلى ترك الأطفال يعتمدون على ذواتهم في كثير من مسارب حياتهم الطفولية، ثم تأتي بعد هذا في مراحل الطفولة الأولى الاستفادة من الأطفال بإرسالهم أو تعويدهم على القيام بمهام، وكذلك رؤية حياة الدأب، وتواصل العمل من الأب والأم والأخوة، ومن هنا ينخرط كل منهم في دوره؛ فالأبناء يعملون بما يهيئ للرجال، والفتيات يعملن بما يهيئ للنساء فتكون التربية العملية تربية اجتماعية ضرورية، ومن هنا كانت الحياة متفاعلة في الحياة القروية والبدوية.