الوضعية وما بعد الوضعية
إن ما يشكل الأساس للإطار التفسيري (explanatory framework) هو الرؤية الوضعية للعلم (positivist vision of science) . ولهذا التصور في العلوم جذوره في الإبستيمولوجيا الإمبيريقية (empiricist epistemology) . وكثيرا ما يتم الخلط بين مصطلحي الوضعية والتجريبية في التخصص. فالوضعية هي نظرية في العلوم، وبشكل عام، ينبني معظم الوضعيين فلسفة إبستيمولوجية إمبيريقية. مع ذلك، لا يتبنى جميع التجريبين الوضعية، لذا فمن الضروري المحافظة على التمييز بين هذين المصطلحين. وعلى نحو مشابه، من الممكن قبول صحة المعلومات التجريبية من دون تبي تصور وضعي للعلوم. وباعتبار المقاربة الإمبيريقية علما إبستيمولوجيا، فهي مبنية على الاعتقاد بأن المعرفة الحقيقية الوحيدة التي يمكن أن تكون لدينا عن العالم مبنية على تلك الحقائق التي يمكن أن يتم اختبارها من خلال الحواس البشرية، والمراد بهذه الإبستيمولوجيا الإمبيريقية بالنسبة إلى العلوم هو أن المعارف العلمية لا تكون مضبوطة إلا عندما تكون مبنية على عملية التحقق من صحتها بطريقة تجريبية. لذلك يفضل الوضعيون المشاهدات، والبيانات التجريبية، والقياس؛ أي إن ما لا يمكن أن يكون موضعا للاختبار هو شيء لا يمكن التحقق منه علميا.
يمكن تلخيص الافتراضات الرئيسة لوجهة النظر الوضعية في العلوم والتفسيرات الاجتماعية على النحو الآتي: أولا، يعتقد الوضعيون بوجوب أن يركز العلم على الملاحظات المنتظمة. وهدف فلسفة العلوم هو إنتاج مجموعة من الخطوط الإرشادية المنطقية الصارمة التي تتعلق بالمعايير والأساليب المنهجية المناسبة للتأكد من أن المزاعم المعرفية تقوم على أساس مشاهدات مناسبة. وبالطبع، فإن صلاحية العلم بالنسبة إلى الوضعيين تعتمد على هذه الخطوط الإرشادية المنهجية الصارمة؛ فهذه الخطوط الإرشادية هي التي تتيح لنا التمييز بين المعرفة العلمية وما هو مجرد اقناعة. ثانيا، يؤمن جميع الوضعيين بأن جمع البيانات الكافية التي تولدت من خلال حالات متكررة من المشاهدات، سيكشف عن أنماط متظمة تعد مؤشرا على فعالية قوانين عامة. هذه القوانين العامة هي مجرد تعبير عن العلاقات بين الأنماط التي توجد بين