الثنائي بين ما هو وما يجب، وبين الحقيقة والقيمة، وبين الموضوع المعروف والشخص العارف، والتي شكلت أساسا للأشكال والوضعية» (positivist) من ادعاءات المعرفة العلمية وما يرتبط بها من قوالب فكرية (أي إنهم أشاروا إلى جوانب التناقض بين الممارسة الماركسية ومرتكزات الفلسفة الوضعية. وقد كان هورکهايمر وأدورنو، بشكل خاص، ناقدين حاذين لفكرة العقل الأداتي(instrumental reason) ، وهي تطبيق العقلانية التقنية على الوسائل (أي اختيار أكفا أداة لتحقيق هدف محدد مسبقا) التي تدعي الحيادية في ما يتعلق بالأهداف رأي إن الهدف محايد بالنسبة إلى الوسائل. وعلى العكس من ذلك، فإن بناء ادعاءات المعرفة هو ممارسة اجتماعية هادفة كأي نشاط اجتماعي آخر، وليس أقل، والنظرية محشوة بالقيم والمعايير الاجتماعية، ومحفوفة بالمضامين السياسية بالنسبة إلى المستقبل، سواء أكانت تلك المضامين صريحة أم ضمنية. إذا، فالنظريات التي تدعي الحقيقة الموضوعية، هي نظريات مضللة بعمق؛ فهي من جانب معين تلقي الضبابية على الالتزامات المعيارية التي تأسست عليها ادعاءاتها بالصدقية، ومن جهة أخرى تنكر أن القيم المعيارية البديلة والعوالم المستقبلية المحتملة تصبح عرضة للخطر في مزاعم المعرفة التي تطرحها النظرية على أنها حقائق. إن النظم الفكرية الخاصة بالقرن العشرين، والتي تشكل أساسا للمجتمعات التي تدار بطريقة بيروقراطية في الشرق والغرب، والتي أيضا تتغلغل فيها الفلسفة الوضعية والعقل الأداتي، قد أدت إلى تجميد
الخطاب النقدي
بالمثل، كان الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي شجن في سجون موسوليني الفاشية في العقد الأخير من عمره، ناقدا حادا لأشكال المعرفة ذات النظرة الاقتصادياتية والوضعية، بما فيها أشكال الماركسية المبنية على الحتمية الاقتصادية. ولقد أصر غرامشي على وضع عملية بناء المعرفة الإنسانية في سباقات اجتماعية تاريخية معينة، ومن خلال نقده المدمر لماركسية بوخارين (Bukharin) الاقتصادياتية والعلمية، سخر من «أي صيغة منتظمة تقدم على أنها حقيقة خارج التاريخ، أي على أنها مسلمة تجريدية خارج نطاق الزمان