فهرس الكتاب

الصفحة 801 من 853

والمكان، معتبرا إياها مادياتية ميتافيزيقية (19) . ولم تكن الماركسية بالنسبة إلى غرامشي هي الحقيقة الموضوعية للتاريخ، بل كانت طريقة لقول قصة التاريخ من داخل السياق التاريخي الرأسمالي، وهي قصة يمكن أن تدفع الناس إلى أن ينظروا إلى آفاق مستقبلية ممكنة لما بعد الرأسمالية وأن يسألوا أنفسهم كيف يمكنهم أن يعملوا سويا ليصلوا من هنا إلى هناك.

تبعا لذلك، طور غرامشي نظرية الهيمنة (hegemony) بوصفها شكلا من أشكال القوة السياسية والتي اعتمدت بقوة على القبول الموافقة أكثر من اعتمادها على الإكراه. ففي الموقف الاجتماعي الهيمني، تقوم الجماعات المسيطرة (الطبقات، وأجزاء الطبقات، وحلفاؤهم المتنوعون) بصوغ رؤية اجتماعية تزعم أنها تخدم مصالح الجميع، ويستعملون حوافز انتقائية لاجتذاب شرکاء أصغر لتحالفهم ولتقسيم المعارضة وإضعافها. وقد اعتقد غرامشي أنه في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، حيث كان المجتمع المدني متطورا إلى حد بعيد، يمكن أن يتم تعزيز قوة الهيمنة والطعن فيها في منتديات الثقافة الشعبية، والتربية، والصحافة، والأدب، والفن، وكذلك في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية. وفي ظل ظروف الهيمنة، قد يتم توجيه الجماعات الاجتماعية المرؤوسة (ذات المكانة الأدنى للموافقة على قوة الجماعات المسيطرة، ما يلغي الحاجة إلى الاستعمال الواسع للقوة الإكراهية المباشرة(والتي من الواضح أنها قوة جائرة) . وفي أي حال، فقد جادل غرامشي بان الهيمنة لم تكن خالية من العيوب، أي إنها لم تكن أيديولوجية مسيطرة تمنع أي احتمال للنقد. وإنما الهيمنة على العكس من ذلك، يمكن تحديها، لا بل يجب تحديها باستمرار في جميع أنحاء المجتمع المدني، وقد أمل غرامشي بأنه يمكن بهذه الطريقة تحدي الثقافة الرأسمالية المجزأة والمجردة من الطابع السياسي، وذلك من جانب ثقافة سياسية مناهضة للهيمنة، وبأنه قد يتم توجيه الناس ک? ينظروا إلى حياتهم الاقتصادية كموضوع له أهمية سياسية، وبأنهم قد يبدأون بالتشكيك في التقسيم الهيكلي للرأسمالية بين الجوانب الاقتصادية والجوانب السياسية للحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت