فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 293

أما رفعهما بعد الصلاة مباشرة فلم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو بعد الصلوات المكتوبة برفع اليدين، لا منفردا ولا جماعة. كذلك لم يثبت عن خلفائه ولا صحابته - رضي الله عنهم -.

فتصدى بعض أهل العلم للقول بسنية الرفع بعد المكتوبة، فصنفوا رسائل في إثباته، معتمدين على ما ثبت من أذكار؛ تقال عقب الصلاة المكتوبة تضمنت صيغة الدعاء، كما اعتمدوا عموم أحاديث الرفع، فقالوا برفع اليدين بالدعاء عقب الصلاة جماعة أو فرادى، وتطاول بعضهم فأساء الأدب مع من قال بخلافه. [1]

(1) منهم الشيخ عبدالفتاح أبو غدة جامع هذه الرسائل - ثلاث رسائل في استحباب الدعاء ورفع اليدين فيه بعد الصلوات المكتوبة - ومحققها"ص 6 - 7"، فنعت من خالف القول بالدعاء عقب المكتوبة برفع اليدين، أنهم:

1.لايعرفون العلم وينكرون ما لايعرفون.

2.يشوشون على الناس بالتجهيل والتشويش.

3.تكدير صفاء النفوس.

4.أنهم متعصبة.

5.أن الهداية التي هم عليها غرور.

6.عندهم غرور العلم.

وسأذكر بعض أئمة العلم الذين تصدوا لمسألة الدعاء بعد المكتوبة؛ ورفع اليدين فيه وأنها غير مسنونة ولم ترد عنه - صلى الله عليه وسلم -، وهم:

1.الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت: 751 هـ) ، قال رحمه الله:"وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه - صلى الله عليه وسلم - أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن".وقال أيضا:"إلا أن هاهنا نكتة لطيفة، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة". زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 249 - 250) .

2.الإمام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي؛ الشهير بالشاطبي (ت: 790 هـ) ، قال رحمه الله:"فصل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع دائما: وذلك أنه وقعت نازلة: إمام مسجد ترك ما عليه الناس بالأندلس من الدعاء للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام، وهو أيضا معهود في أكثر البلاد؛ فإن الإمام إذا سلم من الصلاة يدعو للناس ويؤمن الحاضرون، وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه لم يكن من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا فعل الأئمة، حسبما نقله العلماء في دواوينهم عن السلف والفقهاء. أما أنه لم يكن من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فظاهر؛ لأن حاله عليه السلام في أدبار الصلوات ـ مكتوبات أو نوافل ـ كان بين أمرين: إما أن يذكر الله تعالى ذكرا هو في العرف غير دعاء، فليس للجماعة منه حظ، إلا أن يقولوا مثل قوله، أو نحوا من قوله؛ كما في غير أدبار الصلوات؛ كما جاء أنه كان يقول في دبر كل صلاة:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وقوله:"اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت ذا الجلال"... فتأملوا سياق هذه الأدعية كلها مساق تخصيص نفسه بها دون الناس، أفيكون مثل هذا حجة لفعل الناس اليوم؟! إلا أن يقال: قد جاء الدعاء للناس في مواطن، كما في الخطبة التي استسقى فيها للناس، ونحو ذلك. فيقال: نعم! فأين التزام ذلك جهرا للحاضرين في دبر كل صلاة؟ .."اهقلت: ثم استفاض رحمه الله يتكلم على المسألة كلام العالم المحقق المتحرر من ربقة التقليد، المتبع للدليل. الإعتصام للشاطبي (1/ 452 فما بعدها) .

3.الشيخ أحمد الوَنْشَريسِي المالكي (ت 914 هـ) : وذكر رحمه الله عددا من العلماء، ممن أنكر هذا الأمر بل ذهب بعضهم إلى تبديعه، ومما قاله في ذلك:

(سئل الشيخ ابن عَرفة من مدينة سَلا، عن إمام الصلاة إذا فرغ منها هل يدعو ويؤمن المأموم أم لا؟ فإنه قد استمر ببلاد المغرب في بعض نواحيه كراهية هذه الصفة، فقد يصلي الإمام في بعض المواضع ولا يدعو، فتشمئز قلوب المؤمنين، فالغرض من سيدنا بيان الحكم في ذلك وإزالة الإشكال بما أمكن. فأجاب:

(مضى عمل من يُقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بأثر الذكر الوارد إثر تمام الفريضة وما سمعت من ينكره إلا جاهل ... ) ... وذكر الونشريسي رحمه الله من فقهاء بجاية:

أ- الفقيه أبو العباس أحمد بن عيسى.

ب- الفقيه أبو عزير.

ت- الشيخ الحافظ أبو العباس أحمد بن قاسم القباب من أئمة فاس.

ومما ذكره الونشريسي أيضا .. عن الشيخ القباب في مسألة رفع الإمام والمأموين الأيدي بالدعاء بعد المكتوبة، قوله: الحمد لله، الجواب وبالله تعالى التوفيق: أن الذي عندي ما عند أهل العلم في ذلك من أن ذلك بدعة قبيحة، ولو لم يتق منها إلا هذا الواقع من أن من ترك ذلك يرى أنه أتى منكراً وينهى عنه، وذلك من علامة الساعة، أن يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا. إلى أن قال ... وقال مالك في المدونة: إذا سلم فليقم ولا يقعد إلا أن يكون في سفر، أوفي فنائه". المعيار المعرب (1/ 280 - 282) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت