علو الله على خلقه من الأمور العَقدية التي جُبلت فِطَر الناس [1] على اعتقادها، ويكاد ينعدم بين البشر من يدعو ربه ولا يرفع يديه بالدعاء لخالقه، أو يتجه بقلبه وبصره لعلوه جلّ في علاه، وهذا دليل عقلي فطري على علوه سبحانه، والذي يطلب أمرا فيه نوع إذلال له من ملك أو عظيم ونحوه؛ تجده يمد يديه إلى من يطلب منه هذا الأمر بتذلل ومسكنة وتضرع، فكيف بدعاء الخالق جل وعلا. ولأجل ذلك وصف الحق سبحانه نفسه بأنه يستحيي ممن يمد يديه إليه يدعوه؛ فلا يضع فيهما خيرا أو يردهما خائبتين.
ورفعهما في الدعاء مظنة إستجابته، وهو فَهْم علمائنا رحمهم الله، فقد ترجم ابن حبان في صحيحه فقال:"ذكر البيان بأن الله جل وعلا إنما يستجيب دعاء من رفع إليه يديه؛ إذا لم يدع بمعصية أو يستعجل الإجابة، فيترك الدعاء". [2] وقال القرطبي:"والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهاره موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا فقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما ورد في الأحاديث، وقد قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} ولم يرد صفة من رفع يدين وغيرها". [3]
(1) الفطر: جمع فطرة والفطرة هي:"الخلقة التي يكون عليها كل موجود أول خلقه والطبيعة السليمة لم تشب بعيب". المعجم الوسيط (2/ 694) .
(2) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لابن بلبان (3/ 164) .
(3) الجامع لأحكام القرآن (7/ 225) .