في الباب حديثان صح الأول، وثلاثة آثار صح منها الثاني فقط. والحديث الأول جاء في الاستسقاء إلا أني أوردته هنا لتعلقه بباب الشدائد.
الأحاديث
197.حديث عمر - رضي الله عنه -
(قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن العُسْرة. فقال عمر: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك في قيظ شديد. فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه [1] فيشربه ويضعه على بطنه. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدنيا خيرا فأدع. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أتحب ذلك يا أبا بكر؟ قال: نعم: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت، ثم سكبت فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت عن المعسكر) . [2]
(1) "فرث مفرد: ج فُروث: بقايا الطعام في الكَرِش، طعام مهضوم في القناة الهاضمة من المعدة والأمعاء {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} ". معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 1683) .
(2) أخرجه من طريق:"سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن ابن عباس ..."، ابن خزيمة في صحيحه (كتاب الوضوء - باب ذكر الدليل على أن الماء إذا خالطه فرث .. - 1/ 52 ح 101) ، و الطبراني في الأوسط (3/ 323 ح 3292) ، والبزار في مسنده (1/ 331 ح 214) ، وقال:"وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ إلا عن عمر بهذا الإسناد". والبيهقي في دلائل النبوة (جماع أبواب غزوة تبوك - باب سبب تسمية غزوة تبوك بالعسرة وما ظهر بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - 5/ 231) . و ابن حبان (باب النجاسة وتطهيرها - ذكر الخبر الدال على أن فرث ما يؤكل لحمه غير نجس - 4/ 223 ح 1383) ، لكن بإسقاط عتبة بن أبي عتبة، وهذا الإسقاط موجود في الإحسان وموارد الظمآن (ص 418 ح 1707) . ولم يعلق الشيخ شعيب الأرنؤؤط على ذلك وصحح الحديث. وكذلك في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (كتاب الطهارة - باب النجاسة وتطهيرها - 3/ 69 ح 1380) للألباني وضعفه، ولم يعلق على السقط، وأعله في تعليقه على صحيح ابن خزيمة بإختلاط ابن أبي هلال، وفيه نظر كما سيأتي. وأثبت الدارقطني:"أن القول فيه قول من ذكر عتبة بن أبي عتبة، وهو عتبة بن مسلم". كذا في علله (2/ 84 س 127) .
وكما أخرجه الحاكم في المستدرك (كتاب الطهارة - معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نزول ... - 1/ 159) وصححه ووافقه الذهبي، لكن الحاكم قال:"عتبة وهو ابن أبي حكيم"، وهذا وهم منه رحمه الله، والصحيح خلافه، إذ عتبة بن أبي حكيم ليس له رواية عن نافع بن جبير، كما لم يرو عنه سعيد ابن أبي هلال. أنظر: ترجمته في تهذيب الكمال (19/ 300 ت. 3771) .
قال مقيده عفا الله عنه: القول بإختلاط سعيد بن أبي هلال، لم يعتمده أئمة الجرح والتعديل، لعدم ثبوته عنه عندهم، فالرجل من رجال الكتب الستة، وترجم له أقران أحمد كـ: البخاري في التاريخ الكبير (3/ 519 ت. 1736) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (4/ 71 ت. 301) ، وابن حبان في الثقات (6/ 374 ت. 8165) ، ولم يذكروا عنه إختلاطا، كما لم يذكره في المختلطين ابن الكيال في كواكبه ولا العلائي في المختلطين. ويؤيده ما ذكره ابن حجر في تهذيبه (4/ 95) "وقال ابن حزم ليس بالقوي؛ ولعله اعتمد على قول الإمام أحمد فيه"، فلم يرقه تضعيف ابن حزم لذلك، فقال في التقريب (ص 242 ت. 2410) :"لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفا إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط".
وأما تضعيف الألباني للحديث لأجله فمحل نظر، وتعقبه شيخنا المحدث حماد الأنصاري رحم الله الجميع بقوله:"وقد تبع ابن حزم في تضعيفه الألباني؛ ولم يصب في ذلك". الكواكب النيرات (الملحق الأول - ص 468) ، والله أعلم.