أيضا هذا الدليل لا ينهض لمعارضة رفع اليدين بالدعاء والقول بكراهته؛ لا مفهوما ولا منطوقا، وليس فيه ما يدل عليه، والرفع المنهي عنه؛ المقصود منه وضحته طرق الحديث الأخرى، مِنْ أنه كان داخل الصلاة؛ وتسليم الصحابة على بعضهم البعض برفع الأيدي، فنهاهم - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بالأمر بالسكون فيها.
وأما عبارة:"أسكنوا في الدعاء"، فلم أقف على من ذكرها من أصحاب الكتب سوى ابن أبي شيبة، وكل من أخرج الحديث ذكرها بلفظ:"أسكنوا في الصلاة"، والذي يظهر لي أن قوله:"أسكنوا في الدعاء"تصحيف من الناسخ أو الطابع، فقد ذكره ابن أبي شيبة من نفس الطريق، بلفظ"أسكنوا في الصلاة" [1] ، والدعاء هو مظنة السكون والخشوع والتذلل، فكيف يُطلب منهم ذلك. فتنبه!!.
قال البخاري:"وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة قال: (دخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - , ونحن رافعي أيدينا في الصلاة فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس! أسكنوا في الصلاة) ، فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام، كان يسلم بعضهم على بعض فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رفع الأيدي في التشهد, ولا يحتج بمثل هذا من له حظ من العلم، هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه, ولو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة, وأيضا تكبيرات صلاة العيد منهيا عنها؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع". [2]
ورواية مسلم من حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه -، صرحت أن رفع أيدهم كان للسلام ولفظه: (كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علام تومئون
(1) المصنف (كتاب صلاة التطوع - في الدعاء في الصلاة بإصبع من رخص فيه - 2/ 231 ح 8447) .
(2) جزء رفع اليدين (ص 100 ح 37) .