مترابطتان لا تنفصلان أبدا، ومن هنا يمكن القول: إن المسلمين لا يقبلون اقتصادا (علمانيا) ، والاقتصاد الذي يستمدُّ قوَّته من وحي القرآن يصبح - بالضرورة - اقتصادا أخلاقيا.
وهذه الأخلاق تقدر أن تعطيَ معنى جديدا لمفهوم (القيمة) ، وتملأ الفراغ الفكري الذي يوشك أن يظهر من نتيجة (آلية التصنيع) .
لقد استنكر (بركس) النتائج المؤذية لنمو حضارة (الجنس) في الغرب، ويقلق الاقتصاد اليوم من سيطرة قِيَم الرغبات على القِيَم الحقيقية.
والآن بدأ الغرب يعي بالنتائج المؤذية من جرَّاء مفاوضات عالمية لعالم غير مستقرٍّ ... فلقد وجد الرجل نفسه مفصولا عن عمله، فالآلة أصبحت السيِّد، وجاء التطرُّف في وسائل الراحة كالسيارات وغيرها ... والاهتمام بالتوافه، ولم يهتم الغرب أبدا بتخفيف عداء (الآلة) للإنسان، وهي تشكِّل أفقا لقسم هامٍّ من الإنسانية.
ولم يغِب عن الإسلام الواعي هذا الدرس في متناقضات الغرب، ولكي يقف في مواجهة الغرب، محقِّقا في الوقت نفسه وجهته الاقتصادية، عمد الإسلام لإدخال قيمه الأخلاقية في الاقتصاد ...
وهكذا يُخضع العناصر الماديَّة في الاقتصاد لمتطلبات العدل.
وهذا اللقاء بين الأخلاق والاقتصاد، الذي يلحُّ عليه (ج. برث) لم يوجد صدفة في الإسلام الذي لا يعرف الانقسام بين الماديَّات والرُّوحيَّات.
وإذا كان اقتران البروتستانية مع الوثبة الصناعية مزوَّرا، وإذا كانت الصلة بينهما موضع نقاش، فهذا غير كائن في الإسلام، لأن عالمية تشريعه الإلهي تمنع كلَّ تنمية اقتصادية لا تقوم عليها.
وعلى النقل التقليدي السريع لتجربة الغرب: أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله. يجب ألا يخفى استحالة هذا التمييز في الإسلام. وفصل الدين عن الدولة، الذي أدخل الفاعلية الماديَّة في الغرب، لا معنى له في الإسلام، حيث لا تولد الفاعلية الماديَّة في المجال الفكري وخارجه، بل باستلهام من قوَّة الإسلام ومن الوحي المنزَّل) [1] اهـ.
(1) - عن كتاب (الإسلام والتنمية الاقتصادية) للكاتب الفرنسي جاك أوستروي ترجمة د. نبيل الطويل. ***