فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 98

والمتأمِّل في سياق الأحكام والتوجهات الإسلامية المتعلقة بالمال، سيجد بوضوح: أن الإسلام يفرض الأخلاق والمُثل في كلِّ جانب من جوانب المال: في إنتاجه إذا أُنتج، وفي استهلاكه إذا استُهلك، وفي توزيعه إذا وُزِّع، وفي تداوله إذا تُدوول، ولا يقبل بحال أن تسير أيَّ ناحية من هذه النواحي بمعزل عن الأخلاق [1] .

فلا يقبل إنتاج ما يحرم أو ما يضرُّ الناس من المسكرات أو المخدرات، أو حتى التبغ (التدخين) . ولا يقبل إنتاج المواد الفنية والأعمال الدرامية التي تنشر الخلاعة والميوعة، وتُشيع التبرُّج، وأخطر منها: ما يُشيع العلمانية في الفكر، والنظرة الإباحية في السلوك، أو الشكَّ في العقيدة.

وكما لا يقبل إنتاج هذه المواد وتسويقها، لا يقبل شراءها واستهلاكها.

بل لا يقبل الإسلام استهلاك الحلال إلا في حدود الاعتدال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31] .

كما يرفض الترف وأهله، ويعلن الحرب عليه، لما وراءه من دفع الأمة إلى الفساد والهلاك: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الاسراء:16] .

ومثل ذلك في التداول: حرَّم الربا والاحتكار والتدليس والغشَّ وبخس الناس أشياءهم، والتطفيف في الكيل والميزان، {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:1 - 6] .

وقد لاحظ بعض الدارسين الأجانب هذه الميزة في الاقتصاد الإسلامي، وكيف مزج بين الاقتصاد والأخلاق، على حين فرَّقها الاقتصاد الوضعي، يستوي في ذلك الاقتصاد الرأسمالي، والاقتصاد الشيوعي.

يقول الكاتب الفرنسي (جاك أوستروي) في كتابه (الإسلام والتنمية الاقتصادية) : (الإسلام هو نظام الحياة التطبيقية والأخلاق المثالية الرفيعة معا، وهاتان الوجهتان

(1) - انظر: كتابنا (دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي) نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، ومؤسسة الرسالة في بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت