ومن المعلوم: أن الزراعة وحدها لا تحقِّق كلَّ ما يحتاج إليه البشر، لهذا كان الناس في حاجة دائما إلى الصناعات التي بها تقوى الأمم اقتصاديا وعسكريا.
وقد جاءت بعض الأحاديث تحذِّر من (الاكتفاء بالزرع) واتِّباع أذناب البقر، بحيث تقتصر الأمة على الزرع، وتَدَع الصناعة لغيرها، وفي هذا ما فيه من خطر.
وحسبنا أن القرآن نوَّه بقيمة معدن (الحديد) وأهميَّته في الصناعات المدنية والحربية، وأنزل في ذلك سورة تسمَّى (سورة الحديد) وفيها قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25] ، فقوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} إشارة إلى الصناعات الحربية، وقوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} إشارة إلى الصناعات المدنية.
كما أثنى القرآن على داود عليه السلام، بإتقانه صناعة الدروع التي تلبس في الحروب، كما قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] .
وقال سبحانه: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [سبأ 11،10] .
وفي السنة النبوية تجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في سياق الحثِّ على العمل الصناعي والحرفي، ينوِّه بفضل داود عليه السلام، ويعدَّه نموذجا يحتذيه المؤمنون، فيقول:"ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" [1] ، فرغم ما آتى الله داود من الملك، وما مكَّن له في الأرض كما قال تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} [البقرة:251] ، لم يأكل عن طريق الملك، بل كان يأكل من عمل يده، أي من صناعة الدروع الحربية الواقية
(1) - رواه البخاري في البيوع (2072) ، وأحمد في المسند (17181) ، عن المقدام بن معد يكرب.