ويقول:"مَن ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعًا (عيالا صغارًا خائفين) فإليَّ وعليَّ" [1] .
وقد قال عليه الصلاة والسلام ذلك بوصفه إمام المسلمين وولي أمرهم، فهو يوفِّي الديون من بيت مال المسلمين، وقد رأينا الإسلام جعل في مصارف الزكاة مصرفا لـ (الغارمين) أي المدينين، سواء كانوا مدينين لمصلحة أنفسهم، من أجل غذاء، أو دواء، أو زواج، أو مسكن، أو تعليم، أو غيرها، فيدفع له ما يسدُّ به دينه، ولا يكلَّف أن يشقَّ على نفسه، ويبيع من أثاث بيته أو حاجاته ما يسدُّ به الدين.
وقد روى أبو عبيد: أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كتب في خلافته إلى ولاته، أن اقضوا عن الغارمين. فكتب إليه بعضهم يقول: إنا نجد الرجل له المسكن، والخادم، والفرس، والأثاث. أي وهو مع ذلك هو غارم، فكتب عمر: إنه لا بد للمرء المسلم من سكن يسكنه، ومن خادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته. نعم، فاقضوا عنه؛ فإنه غارم [2] .
ولم تكتفِ الشريعة الإسلامية بالوفاء بديون الغارمين إذا غرموا لحاجاتهم وحاجات عوائلهم، بل مَن غرم لمصلحة المجتمع، وعجز الوفاء بدينه، فإن الشريعة تتدخَّل لإنقاذه من مصرف (الغارمين) كما إذا غرم في بناء مستشفى خيري، أو دار للأيتام، أو مدرسة لتعليم الفقراء، أو مسجد لتعليم الصلاة، أو غير ذلك من المشروعات النافعة، ومثلها مَن غرم في إصلاح ذات البين، كما كان يفعل العرب حين يصلحون بين القبائل المتصارعة، ويتحمَّلون الديات التي يطالب بها أحد الفريقين، ثم يعجز مَن قام بالصلح عن الوفاء بها كلِّها، فإن الشرع يرخِّص له أن يأخذ من الزكاة ما يفي بحمالته، كما صحَّ في حديث قبيصة بن المخارق الهلالى [3] .
(1) - متفق عليه: رواه البخاري في الكفالة (2298) ، ومسلم في الفرائض (1619) ، كما رواه أحمد في المسند (7899) ، والترمذي في الجنائز (1070) ، والنسائي في الجنائز (1963) ، وابن ماجه في الصدقات (2415) ، عن أبي هريرة.
(2) - الأموال لأبي عبيد صـ 588.
(3) - رواه مسلم وأحمد عن قبيصة، وقد سبق تخريجه.