ومن مقاصد الشريعة في إنتاج المال: مقصدان مهمَّان:
أولهما: تحقيق الكفاية التامَّة للفرد في حياته المعيشية.
وثانيهما: تحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة، بحيث تستطيع الاستغناء عن غيرها من الأمم، وخصوصا في فترات الأزمات والصراعات.
أما مقصد تحقيق الكفاية للفرد، فنعني به الكفاية التامَّة، والمقصود أن تتحقَّق له ولمَن يعوله في أسرته: الكفاية التامَّة في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وكلِّ ما لا بد له منه، على ما يليق بحاله، بغير إسراف ولا تقتير. كما قال الإمام النووي [1] .
وكلمة (كلُّ ما لا بد له منه) كلمة مرنة قابلة لأن يدخل فيها كلُّ المطالب التي تطرأ للإنسان، وكلُّ الحاجات التي تعرض لحياته، وإن لم تكن في حياة من قبله. فإن الحاجات تتطوَّر بتطوُّر الزمان والإنسان، مثل كثير من الحاجات في عصرنا، من الأدوات الكهربائية والإلكترونية، في التبريد والتسخين، والنقل والحركة والسرعة، كالهواتف والكمبيوترات ونحو ذلك، فقد أمست حاجات أساسية للإنسان.
وكلمة (على ما يليق بحاله) تعني: أن الأفراد يختلفون من حيث مستوياتهم، فما يليق بحال الرجل في المدينة غير ما يليق بحاله في القرية أو البادية، وما يليق بحال الطبيب غير ما يليق بحال (التومرجي) وما يليق بحال أستاذ الجامعة غير ما يليق بحال الحارس أو الناطور، وما يليق بحال الرجل ذي العيال غير ما يليق بحال الرجل العزب، أو المتزوِّج غير المنجب، وما يليق بالرجل ذي الأمراض المختلفة غير ما يليق بالرجل السليم الذي عافاه الله من بلاء المرض ولا يشكو من شيء. وينبغي أن نضيف هنا إلى ما ذكره النووي أيضا: ما يليق بزمانه وبيئته، كما أشرنا إلى ذلك.
وكلمة (بلا إسراف ولا تقتير) تعني: أن المطلوب هو الحدُّ الوسط في هذه المتطلَّبات كلِّها، بلا طغيان ولا إخسار، ولا وكس ولا شطط. ومن هذه الأشياء ما يمكن تحديده باليوم، وما يمكن تحديده بالشهر، وما يمكن تحديده بالسنة.
(1) - انظر: المجموع للنووي (6/ 191) ، والروضة (2/ 311) .