وقد تكرَّر ذلك في القرآن بهذه الصيغة نفسها، فلم يكتفِ القرآن منا أن نقرب مال اليتيم بطريقة حسنة وحسب، بل بالتي هي أحسن، فإذا كانت هناك طريقتان لتنمية مال اليتيم والمحافظة عليها: إحداهما حسنه جيدة، والأخرى أحسن منها وأجود، كان الواجب علينا أن نستخدم التي هي أحسن وأجود، بل حرام علينا ألا نستخدم إلا التي هي أحسن، كما هو مفهوم التعبير بالنهى وأسلوب القصر.
ومال الأمة في مجموعه أشبه بمال اليتيم، والدولة التي ترعاه ومؤسساتها المسؤولة عنه أشبه بولي اليتيم، كما شبَّه عمر نفسه مع بيت المال بولي اليتيم: إن استغنى استعفَّ، وإن افتقر أكل بالمعروف [1] . ولهذا يجب أن نحافظ على أموال الأمة وثرواتها، ونعمل على تنميتها بالتي هي أحسن.
ومن المقاصد الشرعية المطلوبة في الإنتاج في ظلِّ اقتصاد إسلامي: أن يتنوَّع الإنتاج ويتعدَّد، وفق حاجات الأمة المتنوعة، ومطالبها المتعدِّدة: علمية وعملية، زراعية وصناعية، فنية ومهنية، مدنية وعسكرية.
فإذا كان (المنتجون) في الاقتصاد الرأسمالي الغربي، يبحثون عما يحقِّق لهم الربح أولًا، بل أعلى عائد منه ما أمكن ذلك، بغضِّ النظر عن حاجة الأمة أو عدم حاجتها. فإن (المنتج المسلم) يهمُّه - قبل كلِّ شيء - ما ينفع الناس، وما يحتاج إليه الناس، لأنه يعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، ويسعى لإرضاء مولاه، قبل أن يُرضي هواه.
وأولى الناس برضوان الله ومثوبته: مَن وجد ثغرة في اقتصاد الأمة قد أُغفلت فعمل على سدِّها.
فمن المقرَّر لدى فقهاء المسلمين: أن كلَّ علم أو عمل، أو حِرفة أو مهارة، يحتاج إليها جماعة المسلمين، ففرض كفاية عليهم أن يتقنوها ويقوموا بها، بحيث تكتفي الأمة اكتفاء ذاتيًّا، تستغني به عن غيرها، ولا تكون عالة على سواها، ممَّن لا يدين بدينها، وقد لا يضمر لها ودًّا ولا خيرا.
(1) - رواه ابن أبي شيبة في السير (33585) ، والبيهقي في الكبرى كتاب البيوع (6/ 4) ، عن عمر.