فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 98

وإذا لم يتنبَّه الأفراد بفطرتهم ووعيهم الذاتي إلى مثل هذه الفروض الكفائية، فواجب أولي الأمر أن يخطِّطوا لتنويع الإنتاج وتوجيهه، حتى يُلبِّي كلَّ حاجات المجتمع المسلم ومطالبه المادية والمعنوية.

ولقد نبَّه القرآن الكريم على ضرورة التخصُّص، وذلك حين نَفَرَ الناس إلى الجهاد متحمِّسين، وغفلوا عن طلب العلم والتفقُّه في الدين. فقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122] .

وكما لا يجوز ترك التفقُّه في الدين والانشغال بالجهاد، كذلك لا يجوز ترك العلوم والصناعات الأخرى الضرورية لحياة الناس انشغالا بالفقه، وهذا ما عاب به الإمام الغزالي أهل عصره، حيث يوجد في البلد الواحد عشرات المشتغلين بالفقه، ولا يوجد فيها إلا طبيب من أهل الذمَّة [1] !

ولقد أنزل الله في كتابه سورة سمِّيت (سورة الحديد) ذكر الله فيها آية دلَّت على أهمية هذا المعدن في حياة الناس الدينية والدنيوية، وأشارت إلى منافعه المدنية والحربية، وذلك في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25] . ففي قوله تعالى: {بَأْسٌ شَدِيدٌ} ، إشارة إلى أهمية الحديد للصناعة الحربية، وفى قوله تعالى: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ، إشارة إلى أهميته في الصناعة المدنية، وإن كان الذي يؤسف له: أن أمة سورة الحديد لم تتقن صناعة الحديد لا في المجال الحربي، ولا في المجال المدني. ومن واجب المسلمين أن ينفِّذوا أمر الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] .

وخيل عصرنا تتمثَّل في الدبابات والمدرَّعات وغيرها، ولا يمكن تنفيذ الآية الكريمة وما في معناها من النصوص إلا بإنتاج صناعي متقدِّم، وهو يحتاج إلى علوم تهيِّئ له، وتكنولوجيا تخدمه، فلا بد من توافرها جميعا، وتيسير أسبابها، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.

(1) - إحياء علوم الدين للغزالي (1/ 16) ، دار المعرفة، بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت