فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 98

ولقد حثَّت الأحاديث النبوية الشريفة على الزراعة، ورغَّبت فيها بأبلغ أساليب الترغيب، وحثَّت كذلك على الصناعة، ورغبت فيها بأبلغ أساليب الترغيب، وحثَّت على التجارة، حثها على الزراعة والصناعة، وما ذلك إلا ليكتمل الإنتاج في كلِّ هذه النواحي، ولا تترك ناحية يظهر فيها ضعف الأمة وافتقارها إلى غيرها، فيُتحكم فيها من خلالها، ويُمسك بتلابيبها.

وانظر إلى هذا الحديث الذي رواه ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إذا تبايعتم بالعينة [1] ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم بالجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا الى دينكم" [2] .

والعينة: معاملة صورتها بيع، وحقيقتها ربا. وأخذ أذناب البقر، رمز إلى الاستكانة، وإخلاد كلِّ امرئ إلى شؤونه الخاصة، وأخذ كلِّ واحد بذَنَب بقرته، والاكتفاء بالزراعة، وإهمال الصناعة، وخصوصا الحربية، وهذا نقص في الكفاية الإنتاجية للأمة يعرِّضها للخطر، ولا سيما إذا أضيف إلا ذلك ترك الجهاد في سبيل الله.

ولقد رأينا المسلمين في عصور الالتزام والازدهار - في مجال الإنتاج - يحرصون على الأعمال النافعة، ويمتنعون عن تربية الخنازير، وصناعة الخمور، وصناعة الأصنام والتماثيل، وغير ذلك من الأشياء التي حرَّمها الإسلام، على الرغم مما قد يكون وراءها من مكاسب مُغرية.

ورأيناهم يتقرَّبون إلى الله بالزراعة والغرس، والصناعات والحِرف المختلفة، حتى إن كثيرا من كبار العلماء في شتَّى التخصُّصات والعلوم الإسلامية، ليُنسبون إلى حِرفهم وصناعتهم، ولهذا عرَف التاريخ والطبقات والتراجم عندنا أمثال: الخصَّاف، والجصاص، والقفَّال، والخرَّاز، والبزَّار، والخياط، والصبَّاغ، والنجَّار، والحدَّاد والزيَّات ... وغيرهم.

(1) - العينة: أن يبيع السلعة بثمن معلوم لأجل، ثم يشتريها منه في الحال بأقل منه، تحايلًا على أكل الربا، فهو بيع صوري، السلعة فيه غير مقصودة، وإنما هي وسيلة للتحايل فقط.

(2) - رواه أحمد في المسند (5007) ، وقال محققوه: إسناده ضعيف، وأبو داود في الإجارة (3462) ، والبيهقي في الكبرى كتاب البيوع (5/ 316) ، عن ابن عمر، وصححه الألباني في صحيح الجامع (423) ، والحديث قواه ابن القيم في (تهذيب سنن أبي داود) ، ورمز السيوطي لحسنه في (الجامع الصغير) وتعقبه المناوي، وانظر: كلامنا عليه في كتابنا (بيع المرابحة للآمر بالشراء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت