ج. الأصل في العقود والشروط الوفاء والالتزام، امتثالا لأمر الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] ، وقوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} [النحل:91] ، وللحديث النبوي:"المسلمون عند شروطهم" [1] .
د. الأصل أن كلَّ معاملة فيها ظلم لأحد الطرفين: الحظر والتحريم، لأن الله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وجعله محرَّما بين عباده، وهو لا يحبُّ الظالمين، فيجب منع الظلم بكلِّ صُوره.
ومن المقاصد الشرعية فيما يتعلَّق بالمال: أن تخرج النقود من قمقم (الكنز) إلى باحة الحركة والعمل، فإن النقود لم تُخلق لتُحبس وتُكتنز، إنما خلقت لتتداول، وتنتقل من يد إلى يد: ثمنا لسلعة، أو أجرا لعمل، أو عين يُنتفع بها، أو رأس مال لشركة أو مضاربة، أو غير ذلك، فهي وسيلة لأغراض شتَّى، وليست هي غرضا في ذاتها، ولا يجوز أن يحوِّلها الناس إلى وثن يعبدونه ويطوفون به، فهذا سبب التعاسة والشقاء، كما جاء في الحديث:"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم" [2] .
ولقد تحدَّث الإمام الغزالي في (الإحياء) عن وظيفة النقود في الحياة الاقتصادية، حديثا سبق به فلاسفة الاقتصاد في العصر الحديث. فقد ذكر أن الله تعالى خلق الدراهم والدنانير (يعني النقود) لتتداولهما الأيدي، وليكونا حاكمين متوسِّطين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى، وهي: التوسُّل بهما إلى سائر الأشياء، لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأشياء واحدة، فمَن ملكهما
(1) - ورد هذا الحديث بلفظين:"المسلمون عند شروطهم"،"وعلى شروطهم"، أما اللفظ الأول فرواه البخاري تعليقا في الإجارة، والحاكم في النكاح (2/ 57) ، وسكتا عنه، والدراقطني في السنن كتاب البيوع (3/ 27) ، عن عائشة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6716) .
وأما الثاني:"المسلمون على شروطهم"، فرواه أبو داود في الأقضية (3594) ، والحاكم (2/ 57) ، وقال: رواة هذا الحديث مدنيون ولم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب، وله شاهد من حديث عائشة وأنس، وسكت عنه الذهبي، وقال: كثير (ابن زيد) ضعفه النسائي ومشاه غيره، والدراقطني في السنن (3/ 27) ، كلاهما في البيوع، والبيهقي في الكبرى كتاب الشركة (6/ 79) ، وفي الشعب باب الإيفاء بالعقود (4/ 75) ، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6714) .
ورواه الترمذي في الأحكام (1352) ، وقال: حسن صحيح، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وقال الحافظ في الفتح: كثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثر، لكن البخاري ومَن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره (4/ 452) ، وقد روي الحديث عن أنس ورافع بن خديج.
(2) - رواه البخاري عن أبي هريرة، وقد سبق تخريجه.