وعن ابن مسعود موقوفا عليه: والذي نفسي بيده، لا يكسب عبد مالا من حرام، فيتصدَّق به فيُقبل منه، أو ينفق منه فيُبارَك له فيه، أو يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث [1] .
ومن ظنَّ من رجال المال والأعمال أنه يجمع الملايين من حلال وحرام، ثم يبني مسجدا للعبادة، أو مدرسة للأيتام، أو دارا لتحفيظ القرآن، أو يطبع مصحفا، أو ينشر كتابا دينيا، أو نحو ذلك، مما يعدُّه الناس في أعمال الخير، فهذا كلُّه مرفوض في نظر الشرع، لا وزن له عند الله سبحانه. فإن الإسلام يشترط طهر الوسائل، كما يشترط شرف المقاصد والغايات. ولا يقبل الوصول إلى الحقِّ بطريق الباطل. إن القاعدة المكينة هنا:"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" [2] !
بعد اكتساب المال من حِلِّه، ينبغي أن يسعى مالكه في تنميته، حتى لا يُستهلك بمرور الزمن، بسبب أمرين لازمين:
أولهما: نفقة الشخص وعائلته، وهذا أمر دائم. والمال إذا كان يؤخذ منه باستمرار دون أن يُنمَّى: جدير بأن يُهدَّد بالفناء بطول الزمن، وإن كان المأخوذ قليلا. وهنا يقول الناس في أمثالهم: خذ من التلِّ يختلّ.
وثانيهما: الزكاة الواجبة في المال في كلِّ حَول، فهي كفيلة أن تُنقص المال إن لم ينمِّه المسؤول عنه. ومن هنا جاءت الوصية النبوية بالاتِّجار في أموال اليتامى حتى لا تأكلها الصدقة، يعني: الزكاة، فقد روى الترمذي في سننه، عن عبد الله بن عمرو،
(1) - رواه أحمد في المسند (3672) ، وقال مخرجوه: إسناده ضعيف لضعف الصباح بن محمد، والبزار في المسند (5/ 392) ، والبيهقي في الشعب باب قبض اليد على الأموال (4/ 395) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجال إسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات (1/ 213) ، وضعفه الألباني في غاية المرام (19) ، ولكنه صحيح عن ابن مسعود موقوفا، كما قال الدارقطني في العلل (5/ 271) .
(2) - رواه مسلم عن أبي هريرة، وقد سبق تخريجه.