ومن مقاصد الشريعة في الاستهلاك: تحريم الترف، والحملة على حياة المترفين، الذين إذا كثروا وانتشروا في أية أمة من الأمم كانوا سبب هلاكها ودمارها.
والترف: أمر أعمق من السرف. السرف: تجاوز الكمِّ في الاستمتاع بالطيبات الحلال، ولكن الترف في غالبه تجاوز (للكيف) في الاستمتاع، فهو إغراق وتوسُّع في الترفُّه والنعومة، وهو غالبا ملازم للسرف، بحيث نستطيع أن نقول: كلُّ ترف سرف، وليس كلُّ سرف ترفا، لأن الترف سرف وزيادة، وذلك أن فيه بجوار الجانب المادي جانبا نفسيا، هو البطر والغرور بالدنيا والاستغراق في متاعها الأدنى.
وكم رأينا من أناس يسرفون كلَّ الإسراف في الإنفاق على بعض ما يشتهونه مثل: التدخين أو المخدرات ونحوها مما اعتادوا عليه وأدمنوه، ومع هذا نري حياتهم خشنة، لا أثر فيها لنعومة أو ترف.
ومن هنا كانت حملة القرآن على المترفين، الذين اعتبرهم من أهل النار: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لّا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة:41 - 45] .
ولأنهم مستغرقون في متاع الدنيا، لم يستجيبوا لدعوة الدين، الذي يريد أن يصلهم بالحياة الآخرة، بما فيها من ثواب وعقاب، وأن يعرِّفهم بالله الذي أسبغ عليهم فضله، ووسَّع لهم في نعمه، فوقفوا في وجه دعوة الرسل، وقاوموهم وكذَّبوهم وعصوهم، وهذا ما سجَّله القرآن حين قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ:34] .
إن الترف مفسد للفرد؛ لأنه يشغله بشهوات بطنه وفرجه، ويلهيه عن معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ولأنه يقتل فيه روح الجهاد والجد والخشونة، ويجعله عبدًا لحياة الدَّعة والرفاهية. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، وعبد الخميصة" [1] .
(1) - رواه البخاري في الجهاد والسير (6887) ، والترمذي في الزهد (2375) مختصرا، وابن ماجه في الزهد (4135) ، عن أبي هريرة.