فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 98

والترف مفسد للجماعة منذر بانهيارها، ولهذا قرنه القرآن الكريم بالظلم والإجرام {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] .

وسرُّ ذلك أن الأقلية المترفة إنما تسرق بترفها حقوق الأكثرية المحرومة ظلما، وتسمن على حساب هزالها إجراما، قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود:116] .

ومن هنا كان الترف في نظر القرآن من أظهر أسباب الانحلال الاجتماعي والتدمير المعنوي للأمة، ولا سيما إذا كثر المترفون أو أصبحوا أصحاب السلطة.

قال تعالى مقرِّرا هذه السنة الاجتماعية: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:111] .

في الآية قراءتان {أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا} ، بتشديد الميم، أي جعلناهم أمراء وحكامًا فطغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، فصبَّ عليهم ربك سوط عذاب. كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام:123] ، وفي الحديث:"إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" [1] .

وأما قراءة التخفيف المشهورة، فمعناها: أمرناهم بالعدل والطاعة، ففسقوا عن أمر الله، وفعلوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فاستحقوا عقوبة الله تعالى.

وعن ابن عباس وغيره: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} : أكثرنا عددهم. واسشهدوا له بحديث:"خير المال مهرة مأمورة" [2] ، أي كثيرة النسل.

وكلُّ هذه المعاني صحيحة، ولا مانع أن تكون كلُّها مرادة من الآية.

كما حدَّثنا القرآن أن الترف كان هو المسؤول الأول عما أصاب كثيرا من الأمم التي غرقت في التنعُّم والترف فنزل بها عقاب الله وبلاؤه، وحُرِمت من النصر، وحقَّت

(1) - رواه البخاري عن أبي هريرة، وقد سبق تخريجه.

(2) - رواه أحمد (15845) وقال مخرجوه: إسناده ضعيف، والبيهقي في الكبرى كتاب الأيمان (10/ 46) والطبراني في الكبير (7/ 91) ، عن سويد بن هبيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت