كما في أموال الأفراد مجال لأخذ الحقوق منها بعد الزكاة، فالزكاة أول الحقوق وليست آخرها، وقد أثبتنا في كتابنا (فقه الزكاة) أن في المال حقوقا سوى الزكاة: وأهمُّها وأعظمها: حقُّ التكافل بين أبناء المجتمع، بحيث لا يضيع فيهم ضعيف، وكلُّ مسلم مطالب وجوبا بالحضِّ على طعام المسكين.
ومن المشكلات التي تطرأ على حياة الإنسان: أن يغترب عن وطنه، أو يخرج منه قسرا، ويشرَّد عن بيته وأهله، بغير ذنب جناه، إلا أن يكون صاحب عقيدة يشرَّد من أجل عقيدته، مثل الرسول وأصحابه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40] .
أو يسلط على بعض الشعوب بعض الطغاة أو الجبابرة، يسومونهم سوء العذاب، فيفرُّون من الرعب إلى حيث يجدون الأمان، كما حدث لإخواننا من أهل فلسطين، حين سلِّطت عليهم العصابات الصهيونية، فصبَّت عليهم سياط العذاب، وأقامت المجازر البشرية في قراهم، مثل: دير ياسين وغيرها، وبقروا بطون الحوامل، وعبثوا بالأجنة بسنان أسلحتهم، وقتلوا الابن أمام أبويه، وقتلوا الأبوين أمام أعين الأولاد، وهو ما جعل الناس من هول ما شاهدوا ولمسوا؛ ينفدون بجلدهم يلتمسون الأمن في أيِّ مكان.
والإخراج من الديار من أشقِّ المصائب على الأنفس، حتى أن القرآن قرنه بقتل النفس، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم} [النساء:66] .
ومن هنا جعله القران سببا كافيا لقتال مَن تسببوا فيه، كما قال تعالى: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة:246] .
ويسمِّي القران والسنة هؤلاء المغتربين والمشرَّدين عن ديارهم: (ابن السبيل) وكأن السبيل - أي الطريق - أمه وأبوه، فإذا كان الأصل في الإنسان أنه (ابن بيت) يضمُّه ويؤويه، فهذا (ابن السبيل) وليس ابن بيت.