أي التجاوز في الحدِّ والكمِّ. وقيدا معنويا، وهو المخيلة، أي الاختيال والفخر والزهو، وهو من آفات الأنفس، وأمراض القلوب.
وكما أن الفرد مطلوب منه أن يقتصد في نفقته واستهلاكه، فالدولة كذلك مطلوب منها: أن تقتصد في نفقاتها، ولا تسرف في الصرف على المظاهر والشكليات، فإنه يكون على حساب ضروريات وحاجيات أولى منها بالإنفاق، ولهذا قال مَن قال من الحكماء: ما رأيت إسرافا إلا وبجانبه حقٌّ مضيَّع!
ومن المطلوب لزوما: أن تهتمَّ الدول بحاجات الجماهير، ومطالبهم اليومية، وضرورياتهم المعيشية، مثل القوت والخبز والملابس والدواء، بحيث يجدها الناس بسهولة، وبأثمان في مقدورهم أن يدفعوها، ولا يمكثون في طوابير بالساعات، حتى يحصلوا على رغيف الخبز، فإذا حصلوا عليه وجدوه لا يكاد يصلح للاستخدام الآدمي.
في حين نرى الحكومة تنفق على أشياء كمالية وتحسينية يمكن الاستغناء عنها، وقد لا يستفيد منها إلا فئات قليلة ممن يسمونهم (عِلية القوم) !!
وأهمُّ ما يلزم الدولة من الاعتدال في النفقات: أيام الأزمات والشدائد، مثل القحط والمجاعة والكوارث والحروب وغيرها، فهنا يجب أن يشترك أبناء الأمة الواحدة في تحمُّل المسؤولية، وأن يدفع الجميع الثمن من المشاركة فيما تعانيه طبقات الشعب كلِّه. ولا يجوز لفئة من الشعب أن تستغلَّ أزمة الأمة، لتغنم منها مكسبا لنفسها، فتتاجر بجوعها وعرقها ودمها.
ولقد ضرب لنا القرآن مثلا مما يمكن أن تفعله الأمم أيام الأزمات، في قصة يوسف، وما أصاب مصر في سنوات القحط والجفاف، وكيف قلل الاستهلاك في سنوات الخصوبة، ليدَّخر منها ما يسعف الناس في سنوات القحط: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [47 - 49] .