ومَن قطع له من هذه الأرض مساحة معينة، ثم تركها لعدَّة سنوات، بغير أن يعمرها ويصلحها، كان لولي الأمر أن ينتزعها منه، ويعطيها لغيره ممَّن يقوم بإحيائها.
وقد روى أبو عبيد وغيره، عن بلال بن الحارث المزني: أن النبي صلى الله عليه وسلم اقطعه العقيق - أرضا بالمدينة - فلما كان زمان عمر، قال لبلال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحتجزه عن الناس، وإنما أقطعك لتعمل، فخذ منها ما قدرت على عمارته، وردَّ الباقي [1] . وهذه سياسة حكيمة، تشجِّع العاملين على العمل والاجتهاد، وتحرم الكسالى من أن يحتكروا ما لا ينتفعون به.
وعن عبد الله بن عمر قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على هذا المنبر يقول: يا أيها الناس، مَن أحيا أرضا ميتة فهي له، وذلك أن رجالا كانوا يحتجزون من الأرض ما لا يعمرون [2] .
وكانت من سنة عمر تشجيع الأفراد العاملين على زيادة الإنتاج كنافع أبي عبد الله، الذي كتب إلى واليه بالبصرة في شأنه يقول: أما بعد، فإن أبا عبد الله ذكر أنه زرع بالبصرة، وافتلي أولاد الخيل (رعاها بالفلاة) حين لم يَفْتِلها أحد من أهل البصرة، وأنه نعم ما رأى، فأعنه على زرعه وعلى خيله، فإني قد أذنت له أن يزرع، وآته أرضه التي زرع ... ولا تعرض له إلا بخير [3] .
ومن مكونات البيئة التي يجب المحافظة عليها: الماء، الذي قال الله فيه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30] ، فمن هذا الماء نشرب ونرتوي، ومنه نطهو أطعمتنا، ونسقي دوابنا وطيورنا، ونروي أرضنا ومزارعنا، ونغسل أيدينا ووجوهنا وأجسامنا، لهذا اعتبر الماء رمزا للحياة. سواء كان ماء عذبا، كماء الأنهار والبحيرات العذبة، أم الماء المركوز تحت الأرض وهو في بعض البلاد، كأنه أنهار مخزونة، أم
(1) - رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (10/ 426) ، وأبو عبيد في الأموال صـ 323.
(3) - من هامش الأموال للبلاذري صـ 346، وفي الأموال نحوه صـ 310.