وحين نجد بعض الناس يملكون قصورًا تركض في ساحاتها الخيل لسَعتها، لا يكاد يدخلها مالكها؛ لأن لديه ما يغنيه عنها، في حين نجد عائلة تتكدس في حجرة أو حجرتين في (بدروم) لبعض العمارات، الرجل وزوجته وأبناؤه وبناته، وربما كان معه أمه وأبوه.
ومن مقاصد الشريعة فيما يتعلَّق بالمال: المحافظة على مكونات البيئة الطبيعية، كما خلقها الله. والواجب على المسلم في استهلاكه للطيبات: أن يراعي الرشد والصلاح في استهلاكه من خلال الرعاية والمحافظة على موارد البيئة وخيراتها، وكلِّ مكوناتها، باعتبارها نعما من الله تعالى على خلقه، فواجبهم أن يقوموا بشكرها، ومن شكرها المحافظة عليها من التلف والخراب والتلوُّث أو غير ذلك، مما يعتبر نوعا من الإفساد في الأرض.
والله تعالى يقول: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف:56] ، أي بعد أن خلقها الله صالحة، وهيَّأها للإنبات والعمارة.
وقد قال تعالى لبني إسرائيل بعد أن فجَّر لهم في التيه اثنتي عشرة عينا: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة:60] .
وقال شعيب لقومه: {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف:85] .
وقبل ذلك، قال صالح لقومه: {فَاذْكُرُوا آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف:74] .
وذمَّ القرآن بعض الأصناف، فقال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205] .
والإفساد في الأرض قد يكون ماديًّا: بتخريب عامرها، وتلويث طاهرها، وإهلاك أحيائها، وإتلاف طيباتها، أو تفويت منفعتها.