فكأنه ملك كلَّ شيء، لا كمَن ملك ثوبا فإنه لا يملك إلا الثوب ... فكلُّ مَن عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم، بل يخالف الغرض المقصود بالحكم (أي بين الأموال) فقد كفر نعمة الله فيهما، فإذن مَن كنزهما فقد ظلمهما، وأبطل الحكمة فيهما، وكان كمَن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه ... فأخبر الله تعالى الذين يعجزون عن قراءة الأسطر الإلهية، المكتوبة على صفحات الموجودات، بكلام سمعوه حتى وصل إليهم المعنى بواسطة الحرف والصوت، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:34] .
وقد فرض الله الزكاة على النقود في كلِّ حَول، نمَّاها مالكها أم لم ينمِّها، لتكون حافزا قويا يدفعه إلى تنميتها وتحريكها، حتى لا تأكلها الزكاة بمرور الأعوام [1] .
وهذا ما أمر به الحديث الأوصياء على أموال اليتامى أمرا صريحا: أن يبتغوا في أموال اليتامى ويتَّجروا فيها حتى لا تأكلها الزكاة.
وقد ذهب بعض الصحابة إلى أن المال الذي أُدِّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا تحت الأرض.
جاء هذا عن عمر وابنه عبد الله رضي الله عنهما.
وهذا لم يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف ظاهر اللغة، كما تفيده كلمة (كنز) فإن معناها الأصلي الدفن والخبء.
يمكن أن يؤخذ بذلك، إذا حاول صاحب النفوذ أن يحرِّكها، فضاقت عليه السبيل، ولم يجد مجالا يشغِّلها فيه، فهنا يكون معذورا، وحسبه أن يؤدِّي زكاتها، لتظلَّ دافعا قويا له، لتشغيلها حتى لا تستهلكها الزكاة بطول الزمن.
ومعنى هذا: أنه لا يكفي المسلم أن يخرج زكاة النقود والأثمان، ويكنزها، ويدفنها، ولا يشارك بها في عمل اقتصادي ينفعه وينفع الناس من حوله.
(1) - انظر: فقه الزكاة (1/ 253) .