وكان العلماء الربَّانيون يوصون مريديهم ومَن استنصحهم أن يشتغل أحدهم بصناعة مهمَّة، ليكون في قيامه بها كافيا عن المسلمين أمرا مهمًّا في الدين [1] .
أي الحرف والأعمال أفضل من غيره:
ومن بدائع ما ذكروا: اختلافهم: أىُّ الحَّرف والأعمال أفضل وأكثر تحصيلا للثواب من الله تعالى: الزراعة، أم الصناعة، أم التجارة؟ ففى فضل كلٍّ منها وردت نصوص، وأحاديث، وآثار:
فبعضهم قال أفضلها: الزرع والغرس؛ لما ورد في فضلهما من أحاديث، حتى إن الزارع والغارس ليؤجر على ما يؤكل من ثمره وجناه - ولو لم يقصده - حتى ما يأكله الطير والحيوان، ويظلُّ أجره ممتدٌّ ما انتفع به منتفع من خلق الله - من إنسان أو حيوان - إلى يوم القيامة.
وبعضهم قال: بل الصناعة أفضل؛ لما ورد من حديث:"ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" [2] .
وحديث:"خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح" [3] .
وبعضهم قال: بل التجارة أفضل؛ لما ورد أن:"التاجر الصدوق يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء" [4] ، ولأن الخيرة من كبار الصحابة رضي الله عنهم كانوا تجَّارا: مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف ... وغيرهم.
والذي رجَّحه المحقِّقون هو التفصيل في الجواب دون التعميم والإطلاق، ومن هنا قالوا: إن الأفضل منها ما اشتدَّت حاجة الناس إليه، وانشغل الناس عنه، فإذا انصرف الناس عن الزراعة إلى الصناعة أو التجارة، لكثرة مكاسبهم بها، مع مسيس حاجتهم إلى الأقوات والثمار، كانت الزراعة أفضل وأعظم مثوبة عند الله.
(1) - انظر: احياء علوم الدين (2/ 83) .
(2) - رواه البخاري عن المقدام، وقد سبق تخريجه.
(3) - رواه أحمد في المسند (8412) ، وقال مخرجوه: إسناده حسن رجاله ثقات رجال الشيخين، والبيهقي في الشعب باب التوكل (2/ 87) ، عن أبي هريرة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجاله ثقات (4/ 102) .
(4) - رواه الترمذي في البيوع (1209) عن أبي سعيد الخدري، وحسّنه، والدارقطني في السنن كتاب البيوع (3/ 7) ، وصححه الأباني لغيره في صحيح الترغيب (1782) .