ولهذا قد كان عليه الصلاة والسلام، يستعيذ بالله من ضلع الدين [1] ، وفي بعض الروايات: من غلبة الدين [2] ، وكان يناجي ربه ويسأله أن ينجيه من الفقر ويسد عنه الدين [3] .
وهو كذلك مشكلة أخلاقية، فكثيرا ما يدعو إلى إخلاف الوعد، والكذب في الحديث، وفي هذا صحَّ الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يكثر الاستعاذة من المأثم والمغرم، فسئل في ذلك، فقال:"إن الرجل إذا غرم (استدان) حدَّث فكذب، ووعد فأخلف" [4] .
ولهذا لا يُستحبُّ للمسلم أن يورِّط نفسه في الاستدانة إلا من حاجة، فقد يأتيه الموت وهو لم يوفِّ دينه، فتكون تبعته عليه.
والإسلام حريص كلَّ الحرص على تسديد الديون لمستحقِّيها، ولا يسمح لدائنه أن يذهب لأداء فريضة الحج إذا كان مدينا إلا إذا استأذن دائنه، وكان واثقا من نفسه بقضاء دينه.
كما لا يجوز للمسلم أن يذهب متطوِّعا إلى الجهاد إذا كان عليه دين، ما لم يأخذ الرخصة من الدائن، حتى إنه لو قُتل شهيدا في سبيل الله، كانت شهادته كفارة له، وتطهيرا من كلِّ ذنوبه، إلا ديون العباد، وفي هذا جاء الحديث الصحيح:"يُغفر للشهيد كلَّ ذنب إلا الدين" [5] .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل عهده بالمدينة، يمتنع على الصلاة على الميت إذا مات وعليه دين، ولم يترك وفاء له في تركته، وإنما يمتنع عن الصلاة؛ ليكون زجرا للصحابة ألا يستدينوا إلا من ضرورة أو حاجة، ولا يتوسَّعوا في الاستدانة، ثم لما أفاء الله عليه بالغنائم والفيء، كان يقضي ديون المدينين من بيت المال،
(1) - رواه البخاري في الدعوات (6369) ، وأحمد في المسند (12616) ، وأبو داود في الصلاة (1541) ، والترمذي في الدعوات (3484) ، والنسائي في الاستعاذة (5450) ، عن أنس.
(2) - رواه أحمد في المسند (12225) ، وقال مخرجوه: حديث صحيح وهذا إسناد جيد، عن عبد الله بن عمرو.
(3) - رواه مسلم عن أبي هريرة، وقد سبق تخريجه.
(4) - متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (832) ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (589) ، كما رواه أحمد في المسند (24578) ، وابو داود في الصلاة (880) ، والنسائي في السهو (1309) ، عن عائشة.
(5) - رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، وقد سبق تخريجه.