فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 98

{يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] ، ومعنى {اسْتَعْمَرَكُمْ} ، أي طلب منكم أن تعمروها. فبعد أن طالبهم بالتوحيد، طالبهم بعمارة الأرض.

ومن هنا جاء الإسلام يطالب المسلمين بالعمل والمشي في مناكب الأرض، ليأكلوا من رزق الله، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] .

ولا يقبل منهم أن يتقاعسوا عن ذلك بدعوى الزهد في الدنيا، فالزهد في الدنيا: أن تملكها ولا تملكك، أن تجعلها في يدك ولا تسكنها قلبك، أن تستمتع بطيباتها وتتَّجه بإرادتك إلى الآخرة، ولذلك علَّق القرآن أمر الدنيا والآخرة على الإرادة، فقال: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى:20] .

كما لا يقبل منهم أن يقعدوا عن السعي على المعيشة، بدعوى التوكُّل على الله، فإن التوكُّل لا يعني اطِّراح الأسباب، بل يجب مراعاة الأسباب، وترك النتائج إلى الله، كما قال عمر: لا يقعدنُّ أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني. وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، أما قرأتم قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] [1] .

إن الإسلام يضفي على العمل المعيشي الدنيوي قدسية ترتفع به إلى منزلة العبادة، أو إلى مقام الجهاد في سبيل الله.

وذلك بشروط وقيود لا بد من مراعاتها:

أولا: أن يكون العمل في دائرة الحلال، بعيدا عن الحرام، بل عن الشبهات ما استطاع. وأن الحرام لا خير فيه.

(1) - إحياء علوم الدين (2/ 62) للغزالي، دار المعرفة ببيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت