فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 98

ومن الوسائل المهمَّة هنا: اللجوء إلى الإحصاء ولغة الأرقام التي أمست من سمات عصرنا.

ومن المعلوم لدى المسلمين: أن من أسماء الله الحسنى: اسم (المحصي) الذي أحصى كلَّ شيء عددا.

وعلماء السلوك يطلبون من المسلم أن يكون له حظٌّ من أسمائه تعالى، فيستمد القوة من اسم (القوي) ، ويستمد الرحمة من اسم (الرحيم) ، ويستمد العلم من اسم (العليم) ، ويستمد الإحصاء من اسم (المحصي) .

وإذا كان عصرنا يعتبر استخدام أسلوب الإحصاء من أبرز دلائل الطريقة العلمية في معالجة الأمور، وهو فارق مميِّز بين العلميين والعشوائيين أو الغوغائيين من الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد بادر إلى الانتفاع بالإحصاء منذ عهد مبكر من إقامة دولته بالمدينة.

فقد روي مسلم، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"احصوا لي كم يلفظ بالإسلام" [1] .

وفي رواية للبخاري أنه قال:"اكتبوا لي مَن تلفَّظ بالإسلام من الناس". قال حذيفة: فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل [2] .

فهو إحصاء كتابيٌّ يُراد تدوينه وتثبيته، وذلك ليعرف عليه الصلاة والسلام مقدار القوة البشرية الضاربة التي يستطيع بها أن يواجه أعداءه المتربِّصين به، ولهذا كان الإحصاء للرجال فقط، أي القادرين على القتال.

والإحصاء الذي تمَّ في عهد مبكر من حياة الدولة المسلمة، وتمَّ بأمر من الرسول نفسه في سهولة ويسر، يرينا إلى أيِّ حدٍّ يرحِّب الإسلام باستخدام الوسائل العلمية.

وفي مقابل هذا نجد في (لعهد القديم) [3] : أن أحد أنبياء بني إسرائيل أراد أن يعمل لهم إحصاء فنزلت عقوبة سماوية بهم! كأنما (الإحصاء) يمثِّل تحديًّا للقدر أو للإرادة

(1) - رواه مسلم في الإيمان (149) ، وأحمد في المسند (23259) ، والنسائي في الكبرى كتاب السير (8824) ، وابن ماجه في الفتن (4029) ، عن حذيفة.

(2) - متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (3060) ، والبيهقي في الكبرى كتاب قسم الفيء والغنيمة (6/ 363) ، عن حذيفة.

(3) - انظر العهد القديم، سفر العدد، إصحاح (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت