فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 98

وقال: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} [النجم:30،29] ، فهذا هو الذي ذمَّه الله: الذي لم يرد إلا الحياة الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، وذلك مبلغه من العلم. ولهذا ورد في بعض الأدعية المأثورة:"اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا" [1] .

وذكر لنا القرآن أهل الدنيا، وأهل الآخرة، فقال: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء:19،18] .

فناط الأمر بالإرادة وحدها، فصنف يريد العاجلة، وهي الدنيا، وصنف يريد الآخرة، ويسعى لها سعيها.

ولقد رأينا من رسل الله مَن يملكون الدنيا، ويجعلونها في طاعة الله، وخدمة الحقِّ، كما في قصة يوسف عليه السلام، الذي مكَّنه الله في الأرض، وآتاه الملك: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:56] .

ومثل داود عليه السلام، الذي آتاه الله الملك والحكمة وعلَّمه مما يشاء، وابنه سليمان عليه السلام، الذي سأل ربه فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} [ص:35] .

ورأينا من المؤمنين من أتباع الرسل من ملك الدنيا، ورزق الغنى والثروة، فأنفقها في طاعة الله ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، كما تجلَّى ذلك في مسيرة عدد من الصحابة، مثل عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وغيرهم رضي الله عنهم.

لهذا كان صلى الله عليه وسلم يسأل الله الغنى، ويستعيذ بالله من شرِّ الفقر.

(1) - رواه الترمذي في الدعوات (3502) ، وقال حسن غريب، والنسائي في الكبرى (10162) ، عن ابن عمر، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2783) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت