كاتب، فقدار تبطت الكتابة بالكتاب حتى نستجهل منتظر وقوع الكتابة والبناء من غير كاتب وبان. وإذا ارتبط الشيء بالشيء، وكان الغرض لإثبات التعلق على الجملة دون التفاصيل، فلا يصير كون ذلك الارتباط راجعًا إلى الكسب أو الاختراع أو اطراد العادة. وذلك لأن العاقل يعلم التعلق أولا، ثم يعلم بعده تفصيله بدقيق النظر. وهذه الطريقة غير مرضية إذ لا تعلق للبناء بالباني أصلا، واستمرار العادات لا يعلق شيئا بشيء. فأصل التعلق منتف عندنا، وإطراد العادة ليس يتعلق، وهذا يتضح لمن تأمله. وأنى يستقيم ادعاء صرف التعلق إلى العادة، مع المصير إلى تجويز اخرقها!! فاجتز بما قدمنا من الطرق ففيها أكمل الغنية.
وأما ما تمسكوا به من أن الاستجهال يتحقق في انتظار وقوع البناء والكتابة من غير بان وكاتب منا، وإن قدر عهما بقدرة الله، فهذا غير مستقيم. فإن من قدر تجويز وقوع ذلك بعدرة الله، كان محقًا غير مستجهل. وإنما يتجه هذا السؤال على من يتمسك بالعادات اطرادها ولا يذكر وجهًا في التعلق سواها.
وأما ما ذكره من أنه اقتصر على الدعوى ولم يقرنها بالحجاج، فساقط من وجهين: أحدهما: أنا إذا قلنا إنه سلك طريق دعوى الضرورة، فلا يلزم على ذلك إيضاح حجاج، بل أقصى ما يطلب في كشف الضرورات وايضاحها، ذكر الأمثلة على الجملة. وإن قلنا: إنه رضي الله عنه احتج وسلك مسلك النظر، وفقي كلامه التنبيه على وجوه النظر والطرائق الاستدلال. ولكن الكتاب وجيز لا يحتمل البسطة والإغراق، ورب غنية أنجع من بسط.