ولو تعسف متعسف وأنكر التماثل بين العلمين كان ذلك خروجًا منه عن قضية العقول. وأول ما يلزمه على ذلك أن نقول: إذا أقردنا الرب على علم لم يوصف بالاقتدار على مثله بديهيًا من غير أن يخلق لنا القدرة عليه، وهذا يضى إلى هدم قواعد العقائد.
ثم نقول: انما يفصل العاقل بين أحواله في العلوم الضرورية والنظرية لاطراد العادة واستمرارها بخلق العلوم الضرورية تعاقلًا وتواليًا، إذ علم المرو بنفسه واستحالة اجتماع المتضادات والمحسوسات ونحوها من الضروريات، يطرد عادة ولا يعتور على الحال أضدادها، فيلقي المرء نفسه عند زوال الآفات والغفلات عالمًا بها. وأما العلوم النظرية فليست كذلك، فإنها لا تطرد عادة، وقد تزول وتعاقبها الشكوك والريب، ثم يحاول العاقل ردها بتضكار النظر. فهذا وجه في الفصل.
وأيضًا فإن العلوم المكتسبة مقدورها المكتسبين بخلاف البديهة، فتؤول تفرقة العاقل بين العلمين إلى ثبوت استطاعة واقتداره في حال وانتجاثها في أخرى، وذلك نحو فرقه بين رعشته ورعدته وبين حركته الختارة له، فلا يرجع الفرق إلى نفس الحركة، ولكنه يؤول إلى ثبوت القدرة مقارنه لأحدهما، وثبوت العجز مقارنًا للأخرى.
وأما الذي ألزموه من كون معرفة الواحد منا كمعرفة الأنبياء وهذا ما لا يعد فيه على الجملة، وإن افترقا على التنصيل. وسبيل الافتراق من وجهين:
أحدهما: أن تكون علوم الأنبياء ضرورية. وقد صار إلى ذلك بعض