وختم النبوّة بسيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلم معلوم بنصّ التنزيل وبالإجماع. وقد علم من الدين أيضا بالضرورة.
فإن قلت: لم لم يقل ختم [1] الرسالة والنذارة والبشارة, فاقتصر على النذارة؟ قلت: يحتمل الوجهين؛ أحدهما: أنّ النذارة تستلزم البشارة, لأنّه من أنذرك بالعقوبة على فعل شيء فقد بشّرك بالسلامة من ذلك مع الترك؛ والوجه الثاني أن يكون مراعاة لظاهر قوله عليه السلام: «ذهبت النبوّات وبقيت المبشّرات» [2] يريد الرؤيا, والله أعلم.
فإن قلت قد علم أنّ نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلم آخر الأنبياء, فهل يعلم أوّلهم؟ قلت: ورد في حديث أبي ذرّ بيان ذلك كله: قلت يا رسول الله, كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قلت: يا رسول الله, كم المرسلين من ذلك؟ قال: «ثلاث مائة وثلاثة عشر, جمّ غفير» قلت: كثير طيب؛ قلت: من كان أوّلهم؟ قال: «آدم عليه السلام» قلت: يا رسول الله, أنبي مرسل؟ قال: نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسوّاه قبلا. ثم قال: «يا أبا ذرّ أربعة سريانيون: آدم وشيث وأخنوخ, وهو إدريس, وهو أول من خطّ بقلم, ونوح؛ وأربعة من العرب: هود وشعيب وصالح ونبيك. يا أبا ذر, أوّل أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى, وأوّل الرسل آدم صلى الله عليه وسلم, وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم» .
والحديث طويل جدا أخرجه أبو بكر الآجري [3] في أربعينه [4] .
(1) في ب (لم لم يختم) .
(2) أخرجه ابن ماجه في تعبير الرؤيا؛ والدارمي في الرؤيا, باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات؛ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ» . إسناد صحيح رجاله ثقات وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه البخاري في صحيحه «أَنَّ أَبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: لم يَبقَ من النبوَّةِ إِلاَّ المبشِّرات. قالوا وما المبشرات؟ قال: الرُّؤيا الصالحة» , كتاب التعبير, باب المبشرات؛ ومسلم في الصلاة, باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع.
(3) الآجري, أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله البغدادي. الإمام, المحدث, القدوة. مصنف كتاب الشريعة في السنة, والأربعين, توفي سنة 360 هـ بمكة. (تذكرة الحفاظ, للذهبي:3/ 148) .
(4) اختلفت الروايات في عدد الأنبياء والرسل، فأخرج أحمد في مسنده 5/ 266 عن أبي أمامة قال، قلت: يا نبي الله كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا؛ الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جمّا غفيرا. وأخرج الحاكم في المستدرك 2/ 288 من الحديث عدد الرسل، عن أبي أمامة قال: قالوا يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثة مائة وخمس عشرة، جمّا غفيرا. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال، قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وعشرون ألفا. قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جمّا غفيرا؛ في باب استحباب الاجتهاد في أنواع الطاعات, في ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كلّ.