الفكر في ذلك بتفاوت العارفين, إذ لا طريق لهم إلى العلم بالخالق تعالى إلاّ بالنظر فيها والاعتبار بها.
[منع التفكر في ماهية ذات الله تعالى]
ولهذا قال عليه السلام: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» [1] فحسب المتفكر إذًا التفكر في آياته ومخلوقاته, والهرب من التفكّر في ذاته وصفاته.
والماهية والمائية بمعنى الحقيقة, وإن كان إطلاق المائية عليه ممتنع لعدم الإذن بذلك, ففيه مسامحة لضيق العبارة في هذه المجال, والله أعلم. ولأنّها أيضا غير مقصودة الإطلاق, وإنما المراد بها إفهام المعنى خاصة.
وقوله رحمه الله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء)
أي بشيء من معلوماته, دلّ على صحّة [2] ذلك حرف الاستثناء. والبعضية والكلية لا تعقل بالنسبة إلى العلم, فتعين حمله على متعلّق العلم. وإطلاق العلم على المعلوم كثير. وقد ورد عن الصحابة رضي الله عنهم: اللهم اغفر لنا علمك فينا, أي معلومك. وفي قصة الخضر عليه السلام: «وما نقص علمي وعلمك من علم الله» يريد من معلوم الله, وهذا لا خفاء به.
وقوله رحمه الله: (وسع كرسيّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العليّ العظيم)
الكرسي مخلوق عظيم من مخلوقات الله تعالى, والعرش أعظم منه, والسماوات والأرض في جنبه كحلقة في فلاة, كما ثبت في الصحيح. وقيل: كرسيه علمه, والكرسي العلم في اللغة. والظاهر الأول.
ومعنى «وسع» على ذلك أي إنّه لم يضق عن السماوات والأرض
(1) الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب, من حديث ابن عمر مرفوعا. وأسانيدها ضعيفة, لكن اجتماعها يكسب قوة, والمعنى صحيح. (المقاصد الحسنة, للسخاوي: ص 260) .
(2) سقط من أ (صحة)