والخبر من أنواع الكلام؛ فالباري تعالى متكلم.
أو تقول: قد شهدت الأفعال بكمال خالقها, والكلام من صفات الكمال ضرورة؛ لأنّ ضدّه نقص؛ فلا بدّ وأن يتّصف بالكلام.
أو نقول: المعجزات دلّت على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى تصديقهم؛ فلا بدّ وأن يقوم التصديق بالمصدِّق؛ وليس إلاّ الكلام الذي هو صفة المصدّق, إذ يستحيل أن يرجع إلى الفاعل من فعله صفة, إذ يلزم على مقتضاه أن يكون موصوفا بالحركة والسكون عندما يخلقها في محلّ. وكذلك سائر الأفعال, وهو محال بالبديهة, إلى غير ذلك من الدلالة, فهو تعالى متكلّم بكلام هو صفته لا مفتتح لوجوده, ولا غاية لمتعلقاته, وهو واحد لا يتعدد بتعدد المتعلقات, كما إنّ العلم واحد ولا يتعدد بتعدد المعلومات, وكذلك القول في سائر الصفات؛ قضت بذلك كلّه بدائه العقول, وثبت علمه من الشرع المنقول. والله تعالى قادر على أن يخلق السمع لكلامه لمن شاء من عباده, فخلقه لموسى إجماعا, ولنبيّنا عليه السلام على قول الأكثر, وسيخلقه الله تعالى لعباده المؤمنين عموما في الآخرة.
وقول المصنف: (وتجلّى للجبل فصار دكّا من جلاله)
أي ظهر, وظهوره عبارة عن خلق الرؤية في محلّ من تجلّى له فرآه بها. قال القاضي أبو بكر: «خلق الله تعالى للجبل حياة وعلما وإدراكا فرأى الله تعالى فتدكّ وذاب من جلال الحق تعالى. وكذلك رفع المانع من بصر موسى عليه السلام فرأى الله تعالى [1] فخرّ صعقا» . قال: «وصعقه ليس لتدكّ الجبل, وإنّما هو لما تدكّ الجبل له, ولهذا أعطفه بالواو المشتركة في المعنى» , قال: «والدليل على صحة ذلك أنّه عليه السلام لمّا سأل الرؤية قيل له: (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) [الأعراف:143] أي لن تراني
(1) سقط من ب (فتدك ... تعالى)