فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 137

[خلق أفعال العباد]

وقوله رحمه الله: (يضلّ من يشاء فيخذله بعدله, ويهدي من يشاء فيوفّقه بفضله, فكلّ ميسّر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره, من شقيّ أو سعيد)

قد تقدم في تفسير هذا شيء في الخطبة, وأنّ الهداية حقيقة هي خلق القدرة والمقدور موافقا لأمر الله؛ وأن الضلال [3] خلق القدرة والمقدور مخالفا [4] لأمر الرب. وضابط هذا كلّه أنّه لا خالق إلاّ الله سبحانه, وكلّ مخلوق فعن قدرته حدث وعن إرادته تخصّص؛ والهدى والضلال مخلوقان من جنس الكائنات, فهما مقدوران له. وقد صرّح القرآن العظيم بهذا الإطلاق, فقال: (يضلّ من يشاء) [الرعد:27] وقال: (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) [الكهف:17] وقال: (ومن يهد الله فماله من مضلّ) [الزمر:37] إلى غير ذلك من الآيات.

فإن قلت: فما معنى إذًا قوله تعالى: (بما كنتم تعملون) [المائدة:105] و (بما تفعلون) [النمل:88] و (بما تصنعون) [فاطر:3] إلى غير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الفعل للعبيد؟

قلت: قد ورد أيضا: (والله خلقكم وما تعملون) [الصافات:96] وورد: (خالق كلّ شيء) [الأنعام:102] وورد: (هل من خالق غير الله) [فاطر:3] وقام البرهان على أن لا خالق إلاّ الله؛ فتعيّن [5] حمل ما ظاهره مخالف لذلك على المجاز, فإضافة الفعل إلى العبد إضافة مجاز؛ لأنّه لمّا أن كان من كسبه وفي محلّه وهو موصوف بالاستطاعة عليه فأضيف إليه.

فإن قلت: هذا غير معقول؛ لأنّه إذا انتفى الخلق عن العبد لم يبق إلاّ أنه مجبور, إذ الواسطة غير [6] معقولة, وعلى هذا قال الفخر ابن الخطيب رحمه الله [7] : والحق الجبر؟.

(1) سقط من أ (فتأمله) .

(2) في أ (العالم) .

(3) في أ (الضلالة) .

(4) في أ (مخالفة) .

(5) في أ (فتفرق) .

(6) في ب (إذا ليس غير) .

(7) هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي: الإمام المفسر. أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل. ولد سنة 544 وتوفي سنة 606 هـ. من أهم كتبه في أصول الدين: كتاب الأربعين، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين، معالم أصول الدين وغيرها (الأعلام 6/ 313) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت