فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 137

وإذا جاز هذا في العلم الحادث مع تقدير بقائه, وإن كان مستحيل البقاء, فأحرى ثبوته في حق القديم الواجب البقاء؛ فالباري سبحانه عالم بما سيكون قبل أن يكون, وعالم بما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون؛ فالمعلومات مقيدة بالأزمان فيّقدّر فيها اختلاف أحوالها وتجدد ألقابها وأسمائها؛ ومن لا يتقيّد بالزمان فلا تتجدد عليه الأحوال ولا تحدث له الأسماء.

وأمّا المسألة الثانية, فما علم تعالى وقوعه فلا بدّ أن يقع؛ لاستحالة انقلاب العلم جهلا؛ وحينئذ إمّا أن يقع مرادا له أوْ لا؛ وتقدير وقوعه غير مراد له يلزم منه أن لا يكون فَعَله, وقد سبق بالدلائل أن لا فاعل إلاّ الله, وإذا كان فَعَلَه فلا بدّ أن يكون مقصودا, والقصد والتخصيص حقيقة الإرادة, فَعَلِمَ تعالى كلّ شيء قبل كونه, فجرى على قدره.

وقوله رحمه الله: (لا يكون من عباده قول ولا عمل إلاّ وقد قضاه, وسبق علمه به)

لمّا عمّ جميع المخلوقات بقوله: «علم كلّ شيء قبل كونه فجرى على قدره» أراد أن ينصّ على أقوال العباد وأعمالهم ويفردها بالذكر؛ لأنّها محلّ دعوى المعتزلي, ليخرج بذلك من مذهبه. وقد تقدم الدليل على ذلك كله.

وقوله رحمه الله: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)

أي ألا يعلم الخالق خلقه, أيصدر مخلوق قبل أن يعلمه خالقه. فـ «من» في موضع رفع بحق الفاعلية؛ والمفعول محذوف. ولا يصح أن يكون في موضع نصب إلاّ بتكلّف, فتأمّله (1) لأنه يلزم عليه الاعتزال.

و «اللطيف» اسم من أسمائه سبحانه وتعالى الحسنى, وهو إمّا بمعنى ملطف فيكون من أسماء الأفعال, أو بمعنى الباطن, وهو الذي لا يتصور في الأوهام ولا يتخيل في الضمائر والأفهام, فيكون من أسماء التنزيه. ويحتمل أن يكون بمعنى العليم أي إنّه تعالى يعلم الخفيات (يعلم السرّ وأخفى) [الكهف:7] فيكون مبالغة في تعلق العلم (2) , فيكون من أسماء الصفات.

وأمّا «الخبير» فقد تقدم معناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت